هلال وظلال
عبد المنعم هلال
ـ في قراءة ميزانية نادي الهلال من المهم التفريق بين ما تثبته الأرقام فعلاً وما يمكن استنتاجه أو التساؤل حوله لا يمكن الجزم من الميزانية وحدها بأن الأموال التي ضخها رئيس النادي ونائبه أو أعضاء مجلس الإدارة هي (دعم) أو (ديون) إلا إذا أوضحت الإيضاحات المرفقة بالقوائم المالية أو العقود أو قرارات المجلس والجمعية العمومية طبيعتها.
ـ الهلال نادي كبير وطموحه دائماً أكبر من إمكانياته لكن في عالم المال ما في حاجة اسمها (إحساس) في أرقام والأرقام مرات بتقول كلام مختلف تماماً عن التصريحات ولو عرفنا نقراها صاح بنلقى رسائل مخفية بين السطور
الميزانيات الأخيرة للهلال خاصة ميزانية 2025 بتقول إن النادي عاش سنوات صرف استثنائي تسجيلات محلية وأجنبية ومعسكرات خارجية وسفر متواصل وإيجارات ملاعب ومرتبات محترفين وأجهزة فنية وحوافز ومشاركة قارية في ظروف استثنائية فرضتها الحرب.
لكن السؤال الحقيقي ليس هو كم صرف الهلال ..؟ السؤال هو منو الدفع ..؟ وكيف اتسجلت القروش دي؟
ـ الهلال كان بيصرف أكثر مما يكسب والأرقام بتوضح إن المصروفات كانت أعلى بكثير من الإيرادات وانتهى العام بعجز كبير جداً فاق ال18 مليون دولار أثبتته الميزانية مع استمرار عجز متراكم في حقوق الملكية وده معناه ببساطة إن الهلال كان بيعيش بطموحات أكبر من موارده الحقيقية ما في مشكلة إن النادي يصرف عشان ينافس أفريقيا لكن المشكلة تبدأ لما الصرف يعتمد على مصادر ما ثابتة أو غير مستدامة.
ـ هل السوباط والعليقي كانوا بيدعموا الهلال ..؟ هنا النقطة البتحتاج قراءة هادئة في الثقافة الرياضية السودانية أي رئيس نادي بدفع من جيبو بنقول عنه (داعم) لكن في علم المحاسبة في ثلاثة احتمالات يكون المبلغ تبرعاً لا يُسترد أو يكون قرضاً للنادي يستحق السداد لاحقاً أو يكون التزاماً على النادي لصالح الشخص الذي دفع والفرق بين الثلاثة ضخم جداً لو كانت المبالغ تبرعات فهي دعم خالص ولو كانت قروضاً فهي ديون معلقة على الهلال حتى لو أصحابها ما طالبوا بيها الآن والميزانية وحدها لا تكفي للحسم دون الرجوع للإيضاحات والقوائم التفصيلية.
ـ هنا يبدأ التفكير غير التقليدي والسؤال الحقيقي لي هو، كم دفع السوباط ..؟ ولا كم دفع العليقي ..؟ السؤال الأخطر هو لو غداً توقفوا عن الدفع هل يستطيع الهلال أن يعيش بنفس المستوى ..؟
ـ إذا كانت الإجابة لا فهذا يعني أن المشكلة ليست في الأشخاص وإنما في النموذج المالي نفسه.
النادي الكبير لا يُقاس فقط بعدد البطولات وإنما بقدرته على تمويل نفسه.
ـ الإيرادات الحلقة الأضعف والميزانية توضح أن الرعاية والكفالات تمثل المصدر الأكبر للدخل أما الاستثمار والعضوية وحقوق المباريات والتسويق وبيع المنتجات فإسهامها محدود جداً وهنا تظهر المشكلة أي نادٍ يعتمد على شخص أو راعٍ واحد يظل معرضاً لأي هزة بمجرد انسحاب ذلك المصدر.
ـ أين ذهبت الأموال ..؟ الإنفاق الأكبر كان على التسجيلات ومرتبات اللاعبين والأجهزة الفنية
المعسكرات والسفر الخارجي وإيجار الملاعب.
وكلها مصروفات مرتبطة بالمنافسة القارية وظروف الحرب.
لكن السؤال الصحفي المشروع
هل كل جنيه صُرف حقق قيمة فنية أو استثمارية تعادل ما دُفع ..؟ ليس كل لاعب غالٍ صفقة ناجحة وليس كل معسكر خارجي استثماراً ناجحاً ما بين النجاح الرياضي والاستقرار المالي قد يحقق الهلال بطولات ويصل لمراحل متقدمة قارياً، ويُسعد جماهيره لكن النجاح الفني لا يلغي ضرورة النجاح المالي كم من أندية حققت البطولات ثم دخلت في أزمات مالية لأنها بنت نجاحها على الصرف المستمر دون بناء موارد دائمة.
ـ هل الدعم يتحول إلى دين ..؟ هنا السؤال الذي يقرأ ما بين السطور إذا كانت الأموال التي ضخها السوباط والعليقي مسجلة كمبالغ مستحقة لهما فهي التزامات على النادي حتى لو لم يطالبا بها اليوم أما إذا كانت مثبتة كتبرعات أو مساهمات غير مستردة فهي دعم حقيقي لا يطالب به مستقبلاً والفصل في ذلك يحتاج إلى مراجعة الإيضاحات والقوائم التفصيلية وليس الاكتفاء بالميزانية المختصرة.
ـ أسئلة كان يجب أن تطرحها الجمعية العمومية بدلاً من السؤال التقليدي كم صرف المجلس ..؟ ينبغي طرح أسئلة أكثر عمقاً ما طبيعة الأموال التي دخلت النادي ..؟ تبرعات أم قروض أم التزامات ..؟ كم تبلغ الديون الفعلية ..؟ ما خطة تقليل العجز ..؟ لماذا لا تنمو الإيرادات الاستثمارية ..؟ ما مصير حقوق البث والتسويق والعضوية ..؟ هل يملك الهلال نموذجاً مالياً يستطيع الاستمرار حتى لو غاب الداعمون ..؟
ـ الأندية لا تنهار عادة بسبب قلة البطولات وإنما بسبب سوء الإدارة المالية وقد يكون من حق أي مجلس إدارة أن يصرف بسخاء إذا كان ذلك ضمن رؤية واضحة لكن من حق الجمعية العمومية أيضاً أن تعرف هل ما دُفع كان دعماً بلا مقابل أم ديوناً مؤجلة ستطالب بها الأجيال القادمة ..؟ وهنا تكمن الرسالة التي تقولها الأرقام بصمت الخطر الحقيقي ليس في حجم الصرف وإنما في مصدره وطبيعته واستدامته فإذا كان الهلال يعتمد على أشخاص أكثر من اعتماده على مؤسساته فإن القضية ليست ميزانية عام واحد بل نموذج مالي كامل يحتاج إلى مراجعة وبناء يضمن أن يبقى النادي قوياً مهما تغيرت الوجوه.











