على حافة الضوء
دكتور عمار برهان
تَظهَرُ الثَّقَافَةُ عِندَ السُّودَانِيِّينَ فِي تَفَاصِيلَ كَثِيرَةٍ مِنَ الذَّاكِرَةِ وَالدِّينِ وَاللُّغَةِ وَالعَادَاتِ، وَمَعَهَا تَارِيخٌ طَوِيلٌ وَحِكمَةٌ صَنَعَتهَا الأَرضُ وَالنَّاسُ، فَالنِّيلُ الَّذِي نَشَأَت عَلَى ضِفَافِهِ حَضَارَاتٌ عَظِيمَةٌ يَتَجَاوَزُ صُورَةَ نَهرٍ يَعبُرُ الخَرِيطَةَ، لِيُصبِحَ رَمزًا لِحَيَاةٍ عَرَفَت كَيفَ تَجمَعُ بَينَ الصَّحرَاءِ وَالخُضرَةِ، وَبَينَ القَريَةِ وَالمَدِينَةِ، وَبَينَ القَدِيمِ وَرُوحِ العَصرِ. وَمِن هَذَا الامتِزَاجِ خَرَجَت قِيَمٌ كَرِيمَةٌ يَعرِفُهَا النَّاسُ جَيِّداً، مِثلَ المُرُوءَةِ وَالضِّيَافَةِ وَالحَيَاءِ وَمُسَاعَدَةِ المُحتَاجِ. هَذِهِ القِيَمُ نَجِدُهَا فِي الحِكَايَاتِ الشَّعبِيَّةِ، وَفِي شِعرِ الحَكَّامَاتِ وَالدُّوبِيت، وفِي المَدَائِحِ والأَغَانِي، كَمَا نَلمَحُهَا فِي كِتَابَاتِ الأُدَبَاءِ وقَصَائِدِ الشعراء، فالطَّيِّب صَالِح عَلَى سَبِيلِ المِثَالِ، يَجعَلُ القَريَةَ الصَّغِيرَةَ فِي الرِّيفِ السُّودَانِيّ مَكَاناً يَطرَحُ فِيهِ الإِنسَانُ أَسئِلَتَهُ الكَونِيَّة الكُبرَى عَن أَصلِهِ وَمَصِيرِهِ، الثَّقَافَةُ لَدَينَا هِيَ قِيَمٌ مَا زَالَت حَاضِرَةً بِوُضُوحٍ فِي البَيتِ وَالشَّارِعِ وَالجَامِعَةِ وَوَسَائِلِ التَّوَاصُلِ بَينَ الشَّبَابِ.
لَكِنَّ الثَّقَافَةَ نَفسهَا إِذَا بَقِيَت أَسِيرَةَ الذِّكرَيَاتِ فَقَط وبَعُدَت عَن الحَاضِرِ تَحَوَّلَت إِلَى شَيءٍ جَمِيلٍ لَكِنَّهُ سَاكِنٌ، كَأَنَّهَا مَتحَفٌ بِلَا حَرَكَةٍ ولَا حَيَاةٍ، وَإِذَا تَقَطَّعَت صِلَتَهَا بِجُذُورِهَا أَصبَحَت تَقلِيداً أَعمَى لِلآخَرِينَ، لِذَلِكَ فَإِنَّ تَطوِيرَ الثَّقَافَةِ يَعنِي أَن نَأخُذَ مِنَ التُّرَاثِ رُوحَهُ الحَيَّةَ وَنُنَقِّيهِ مِمَّا عَلِقَ بِهِ مِن جُمُودٍ، ثُمَّ نَفتَحُ لَهُ طَرِيقاً نَحوَ المُستَقبَلِ بِصُورَةٍ أَكثَرَ نُضجاً، وَقَد ذَكَرَ ابنُ خَلدُون شَيئَاً مِن ذَلِك مَفَادُه أنَّ العَادَاتِ تُؤَثِّرُ فِي النَّاسِ لِأَنَّهَا جُزءٌ مِن شَكلِ المُجتَمَعِ، وَهَذَا يَعنِي أَنَّ تَغيِيرَ الإِنسَانِ يَبدَأُ مِن تَغيِيرِ القِيَمِ الَّتِي تَحكُمُ حَيَاتَهُ اليَومِيَّةَ، كَمَا عَلَّمَنَا الجَاحِظ أَنَّ البَيَانَ يَتَجَاوَزُ الزَّخرَفَةَ الكَلَامِيَّةَ، فَهُوَ قُدرَةٌ عَلَى تَوضِيحِ المَعنَى، وَلِهَذَا نَحتَاجُ إِلَى عَقلٍ يُفَكِّرُ وَلِسَانٍ يُحَاوِرُ، حَتَّى يَكُونَ الحِوَارُ بَدِيلًا عَنِ التَّعَصُّبِ، وَتَكُونَ المَعرِفَةُ أَقوَى مِنَ الشَّائِعَةِ وَالكَلَامِ الضَّعِيفِ.
وَتَرقِيَةُ المَفَاهِيمِ الثَّقَافِيَّةِ السُّودَانِيَّةِ تَحتَاجُ إِلَى أَربَعِ خُطُوَاتٍ وَاضِحَةٍ وَهيَ تَعلِيمٌ يَحتَرِمُ اللُّغَاتِ المَحَلِّيَّةَ وَيَفتَحُ لَهَا مَكَاناً فِي الحَاضِرِ، وَإِعلَامٌ يَصنَعُ الوَعيَ بَدَلاً مِن إِثَارَةِ الغَرَائِزِ وتَحفِيزِهَا، وَفُنُونٌ تُسَاعِدُ الأَجيَالَ عَلَى فَهمِ نَفسِهَا، وَقَانُونٌ يَحمِي التَّنَوُّعَ وَيَجعَلُ المُوَاطَنَةَ فَوقَ العَصَبِيَّةِ، السُّودَانُ يَملِكُ رُوحاً غَنِيَّةً وَجَمِيلَةً لَكِنَّهُ يَحتَاجُ إِلَى نِظَامٍ أَخلَاقِيٍّ يُحَوِّلُ الجَمَالَ إِلَى فِعلٍ وَالكَرَمَ إِلَى مُؤَسَّسَةٍ، وَالتَّنَوُّعَ إِلَى اتِّفَاقٍ مَدَنِيٍّ يَجمَعُ النَّاسَ، وَحِينَ يَتَحَوَّلُ المَاضِي إِلَى مَصدَرِ إِلهَامٍ وَيَصِيرُ الحَاضِرُ مَسؤُولِيَّةً وَاضِحَةً، تَستَطِيعُ الثَّقَافَةُ السُّودَانِيَّةُ أَن تَكُونَ قُوَّةَ بِنَاءٍ حَقِيقِيَّةً، وَتَتَجَاوَزُ حُدُودَ الحَنِينِ إِلَى زَمَنٍ مَضَى.
وَالارتِقَاءُ هُنَا يَعنِي أَن نَكتَشِفَ دَاخِلَ الوَاقِعِ طَاقَةَ التَّجدِيدِ، بَدَلاً مِن إِلبَاسِهِ ثَوباً غَرِيباً عَلَيهِ. فَفِي أَغَانِي الحَقِيبَةِ رِقَّةٌ تُعَلِّمُ الذَّوقَ وتُهّذّبُ النَّفس، وَفِي سِيرَةِ المَجذُوبِ وَالتِّجَانِيِّ يُوسُفِ بَشِيرٍ قَلَقٌ صُوفِيٌّ يَفتَحُ بَابَ التَّأَمُّلِ، وَفِي أَمثَالِ النَّاسِ خُلَاصَةُ تَجرِبَةٍ حَيَاتِيَّةٍ طَوِيلَةٍ بَلَغَت مُستَوَى الحِكمَةِ، لَكِنَّ الأَمثَالَ نَفسَهَا تَحتَاجُ إِلَى قِرَاءَةٍ وَاعِيَةٍ، حَتَّى لَا تَتَحَوَّلَ إِلَى سُلطَةٍ تُوقِفُ التَّفكِيرَ وتُعَطِّلُ العَقلَ، فَأَخطَرُ مَا يُوَاجِهُ الثَّقَافَةَ أَن تُقَدِّسَ مَا يَنبَغِي نَقدُهُ، أَو تَسخَرَ مِمَّا يَستَحِقُّ الاهتِمَامَ مِن تُرَاثٍ كَبِيرٍ، لِذَلِكَ تُصبِحُ المَدرَسَةُ وَالجَامِعَةُ وَالمَسجِدُ وَالمَسرَحُ وَالسُّوقُ كُلُّهَا أَمَاكِنَ لِصِنَاعَةِ الإِنسَانِ بِقِيَمِه وَسُلُوكِهِ، فَإِذَا حَضَرَت فِيهَا الحُرِّيَّةُ وَالمَسؤُولِيَّةُ نَشَأَ جِيلٌ وَاعِدٌ يَرَى اختِلَافَ اللُّغَاتِ وَالثَّقَافَاتِ سَبَباً لِلجَمَالِ وَالتَّعَارُفِ والتَّرَابُطِ، بَدَلاً مِنَ الخِصَامِ والتَّبَاغُضِ وَالانقِسَامِ.
وَهَكَذَا يَكُونُ الارتِقَاءُ الثَّقَافِيّ ُعَقدَاً وَثِيقَاً بَينَ الجَذرِ وَالجَنَاحِ، جَذرٌ يَحفَظُ الهُوِيَّةَ مِنَ الذَّوَبَانِ، وَجَنَاحٌ يَرفَعُهَا فَوقَ الانغِلَاقِ، وَمَتَى آمَنَ السُّودَانِيُّ بِأَنَّ ثَقَافَتَهُ أَمَانَةٌ عميقة تَتَجَاوَزُ المَظَاهِرَ، فَهِمَ أَنَّ النَّهضَةَ تَبدَأُ مِن تَهذِيبِ الضَّمِيرِ قَبلَ تَذوِيقِ وتَجمِيلِ الشِّعَارِ، وَمِن عَدلٍ يَعِيشُ فِي القُلُوبِ قَبلَ خِطَابٍ يُعجِبُ الآذَانَ، عِندَهَا سَتُصبِحُ الثَّقَافَةُ كَمَا نُرِيدهَا وَعيَاً اجتِمَاعِيَّاً يَحفَظُ لِلأُمَّةِ كَرَامَتَهَا، وَعَمَلاً إِيجَابِيَّاً يُسَاعِدُ الوَطَنَ عَلَى تَجَاوُزِ التَّمَزُّقِ وَالجَهلِ وَالاستِبدَادِ، وَيُعِيدُهُ إِلَى أُفُقِ الإِنسَانِ الحُرِّ الكَرِيمِ دَائِماً وَأَبَداً.












