تباشير
د.وليد محجوب
تترجَّل المروءة من هامات الرجال كلما حلَّ أحدهم وثاق رزمة من المال ليلقيها على وجه مغنية تبتسم في بلاهة، أو شبه مغني يتراقص مثل النساء. لا أعرف كيف تراودهم هذه الفكرة وحولهم مِن أهلهم أو جيرانهم مَن لا يجد قوت يومه!
ما أرادوا بهذا الفعل الشائن إلا أن يتسكعوا قليلاً في مراتع التباهي الزائف والجنتلة المُختلة. فمن المؤسف أن نقول إن ظاهرة النقطة قد انتشرت انتشار النار في الهشيم في أفراحنا حتى كادت تخرج عن السيطرة، وتصبح واقعاً مألوفاً، يأثم من لا يمارسها.
برزت ظاهرة نقطة القونات و”القونين” مثل بذرة المسكين الضارة، تنبت شجرةً سامقةً زاهية المنظر، بينما تخفي جذورها في جوفها سمَّاً ينهش قيم المجتمع دون أن نراها، وهي تتدثر برداء الفرح الغامر.
ما أن تُقرع طبول الفرح، حتى تكسو مسارح المغنين والمغنيات ذلك المشهد الذي تتحول فيه العملة الوطنية إلى ورق خريفي تتقاذفه الرياح، في بهرجة يخال لفاعلها أنه قد امتطى صهوة الرجولة وارتدى هيبة
أصحاب الدثور. يريدون عيش مجد كاذب للحظات علها تلفت أنظار الحسان اللاهيات بمساحيق وجوههن وأطباق العشاء.
تلك الصورة القبيحة ما هي إلا طعنة في نخوة الرجال وامتهان صارخ لعملة البلاد الرسمية التي تدوسها الأقدام وهي تتمايل طرباً. فأوراق النقد ليست مجرد أوراق تخرج من مطابع العملة، بل هي ميثاق غليظ من الدولة بقيمتها للمواطن، فهي خلاصة عَرَق الفلاح، وسهر الموظف، وكدح العامل، وحلم الصانع. وهي أحد رموز هيبة الدولة المهمة، لذلك حين تُلقى تحت أقدام المطربين والمطربات، وتدوسها الأحذية مثل أوراق الخريف الجافة، تتحول من رمزٍ للسيادة إلى بساط للهو، وكأننا نعلن بغير وعي، أن قيمة الجهد والكد الحلال لم تعُد في تمام الاعتدال.
لا يخلو تجوال في الأسافير من عدة ڤيديوهات تصور لحظات “فرتقة” رزم المال فوق رؤوس المغنين، والمحزن أن هذه الصور المتكررة ترسخ آثاراً إقتصاديةً سالبة، فهي تصور التبذير والإسراف على أنها قيم يُحتذى بها. وتُعلم الأجيال الناشئة أن المال زينة اجتماعية لابد لهم من تقليدها حين يشبوا. وبذلك تتسع الهوة بين الفضائل المُبتعدة عنا، والرزايا المقتربة منا. كما أنها تنصب البذخ ميزاناً لقياس المكانة الاجتماعية الرفيعة بدلاً عن الأخلاق والإنجاز. وثقافياً، تهز صورة الدولة غير القادرة على حماية عملتها، وتُشوه الفن نفسه، إذ تحوله من رسالة إنسانية سامية إلى سوق مبتذل للتكسب من جيوب أصحاب الرؤوس الخاوية.













