ميسرة الزين الشريف
استقر معيار التبعية، في الفقه والقضاء، بوصفه الضابط الرئيس لتمييز عقد العمل عن غيره من العقود؛ إذ تقوم العلاقة العمالية على خضوع العامل لسلطة صاحب العمل في التوجيه والإشراف والرقابة، وهو ما اصطلح على تسميته بالتبعية القانونية. وقد مثّل هذا المعيار حجر الزاوية والضابط الرئيس للتمييز بين عقد العمل وغيره من العقود المدنية والتجارية، باعتباره يعكس الطبيعة الحقيقية للعلاقة بين طرفيها.
غير أن التحولات المتسارعة التي يشهدها سوق العمل تفرض اليوم إعادة النظر في الفهم التقليدي لهذا المعيار، وتثير تساؤلًا قانونيًا بالغ الأهمية: هل ما زالت التبعية، بمفهومها التقليدي القائم على الرقابة المباشرة، معيارًا كافيًا لتكييف عقد العمل؟
لقد أفرزت بيئات العمل الحديثة أنماطًا لم تكن مألوفة من قبل، فأصبح العامل يؤدي عمله عن بُعد، أو عبر المنصات الرقمية، أو ضمن نماذج العمل المرن، دون حضور دائم إلى مقر العمل، ودون خضوع لرقابة إدارية مباشرة. كما أصبحت الأنظمة الرقمية تتولى توزيع المهام، وقياس الأداء، وتحديد مؤشرات الإنتاجية، بما أدى إلى تراجع كثير من المظاهر التقليدية التي ارتبط بها مفهوم التبعية.
إلا أن هذا التحول لا يعني أن التبعية فقدت قيمتها القانونية، وإنما يعني أن وسائل ممارستها قد تغيرت. فسلطة صاحب العمل لم تعد تقتصر على الرقابة المباشرة، وإنما أصبحت تُمارس من خلال تنظيم العمل، ووضع السياسات، وتحديد معايير الأداء، وإدارة الوسائل التقنية التي يباشر العامل نشاطه من خلالها. ومن ثم، فإن جوهر التبعية لا يكمن في وجود إشراف مباشر مستمر، وإنما في وجود سلطة تنظيمية تملك توجيه النشاط المهني، وتحديد كيفية أدائه، وتقييم نتائجه، ولو مورست هذه السلطة بوسائل رقمية أو غير مباشرة.
ومن هذا المنطلق، فإن العبرة في التكييف القانوني لا تكون بشكل الرقابة، وإنما بحقيقة العلاقة القانونية ومدى اندماج العامل في التنظيم الإداري والاقتصادي لصاحب العمل، وخضوعه لسلطته في إدارة العمل وتوجيهه وتحمل مخاطره. فهذه العناصر هي التي تكشف عن الطبيعة الحقيقية للعلاقة، بعيدًا عن المظاهر الشكلية أو المسميات التي يطلقها المتعاقدان عليها.
وتبرز أهمية هذا الفهم مع اتساع الاقتصاد الرقمي؛ إذ إن التمسك بالمفهوم التقليدي للتبعية قد يؤدي إلى حرمان فئات من العاملين من الحماية التي قررها نظام العمل، رغم خضوعهم فعليًا لسلطة تنظيمية واقتصادية تُمارس بوسائل حديثة. وفي المقابل، فإن التوسع غير المنضبط في مفهوم التبعية قد يؤدي إلى إخضاع علاقات مدنية أو تجارية مستقلة لأحكام نظام العمل دون مبرر قانوني. ومن ثم، فإن التحدي لا يكمن في استبدال معيار التبعية، وإنما في تطبيقه بما يحقق التوازن بين حماية العامل والحفاظ على الحدود الفاصلة بين العقود المختلفة.
ولذلك، فإن التطورات التي يشهدها سوق العمل لا تستدعي التخلي عن معيار التبعية، بقدر ما تستوجب تطوير تفسيره بما ينسجم مع أنماط التشغيل الحديثة. فالتبعية ما زالت تمثل المعيار الأهم في تكييف عقد العمل، إلا أن مضمونها لم يعد يقتصر على الرقابة المباشرة، بل أصبح يقوم على السلطة التنظيمية والاقتصادية التي يمارسها صاحب العمل، أياً كانت الوسائل التي تُمارس بها.
إن مستقبل العلاقة العمالية لا يتوقف على البحث عن معيار جديد لتمييز عقد العمل، وإنما على قدرة الفقه والقضاء على تطوير تفسير معيار التبعية بما يحافظ على الحماية التي قررها نظام العمل، ويستوعب، في الوقت ذاته، التحولات التي يشهدها سوق العمل. فالتبعية لم تنتهِ، وإنما تغيرت صورها، وبقي جوهرها؛ لأنها ما زالت الأداة القانونية التي تميز عقد العمل عن غيره، وإن اختلفت وسائل التعبير عنها.
مستشار قانوني













