استدامة
الجيلي إبراهيم بلولة
في المستطيل الأخضر، لا أحد ينجو من رادار الرقابة؛ فاللاعب يُوضع تحت مجهر النقد مع كل صافرة مباراة، والمدرب يُحاكم حصاده مع نهاية كل موسم، وحتى الحكم الذي يمثل سلطة القانون في الملعب، تُراجع قراراته وتُشرح أخطاؤه تحت ظلال الـ (VAR).
لكن السؤال الجوهري الذي يهرب الجميع من مواجهته هو: من يُقيّم الاتحاد نفسه؟
إذا كان الاتحاد يتربع على قمة الهرم التنظيمي للعبة، فهل يعني ذلك أن يظل محصناً فوق خطوط القياس؟
المؤسسة لا تعلو فوق التقييم
إن الاتحاد ليس مجرد رمز معنوي أو كيان سيادي هلامي، بل هو منظومة تشغيلية وإدارية معقدة تتحرك في فلكها خمس ركائز أساسية:
- لوائح: تصوغ مصير العدالة التنافسية.
- أموال: تدير اقتصاد اللعبة وضمان استدامتها.
- مسابقات: تمثل المنتج النهائي الذي يشكله الجمهور.
- لجان: تقود العمل التنفيذي والفني.
- وعلاقات دولية: ترسم خارطة حضور الوطن في المحافل الخارجية.
وفي أي بيئة احترافية حقيقية، لا يمكن لكيان يدير هذه الملفات الحساسة أن يتحرك بلا “مرآة رقابية”؛ فالخضوع لتقييم دوري مستقل ليس علامة شك، بل هو وقود التطوير ومحرك الاستدامة الأول.
لماذا التقييم ضرورة لا تشكيك؟
التقييم المستقل ليس صك اتهام، ولا يهدف إلى سحب الشرعية الانتخابية أو النيل من هيبة الشخوص، بل هو ممارسة حوكمية راشدة غايتها تحويل النوايا إلى مؤشرات أداء صلبة عبر طرح تساؤلات موضوعية:
- هل تحولت البرامج الانتخابية الوردية إلى خطط عمل واقعية؟
- هل تُرجمت الأهداف الاستراتيجية المعلنة إلى منجزات على الأرض؟
- كيف أُديرت الموارد المالية؟ وهل وُجهت لخدمة البنية التحتية أم تبددت في النفقات التشغيلية؟
- ما مدى استقلالية اللجان القضائية والفنية في اتخاذ قراراتها بعيداً عن حسابات المكاتب؟
- كيف عولجت الأزمات الطارئة؟ هل برؤية استباقية أم بردود أفعال متخبطة؟
هذه التساؤلات ليست محاكمات تفتيش، بل هي مؤشرات أداء (KPIs) تضمن بقاء السفينة في مسارها الصحيح.
الفرق بين النقد والتقييم
هناك برزخ عميق بين النقد الانطباعي والتقييم المؤسسي؛ فالنقد غالباً ما يولد في مدرجات الجماهير أو منصات الإعلام، حاملاً صبغة عاطفية تحركها نتائج المباريات ولحظات الغضب.
أما التقييم المؤسسي فهو هندسة رقابية متكاملة تتسم بأنها:
دورية لا تنتظر وقوع الكارثة لتتحرك، منهجية تتبع أطر الحوكمة العالمية، قائمة على بيانات وأرقام صلبة لا تقبل التأويل، ويقودها طرف مستقل يمتلك الكفاءة والحياد.
عند هذه النقطة الفاصلة، يخرس الجدل العقيم وتتحدث الأرقام، وتتحول الاتهامات المرسلة إلى تقارير مهنية يعتد بها لتصحيح المسار.
ماذا يعني “مستقل”؟
الاستقلال في عالم الحوكمة ليس خصومة مع مجلس الإدارة، ولا عداءً مع شخوصه، بل هو ضمانة لبيئة التقييم؛ بحيث تكون الجهة المقيمة:
- خارج الهيكل الإداري والتنظيمي للاتحاد تماماً.
- محصنة ضد التوازنات الانتخابية والضغوط السياسية للعبة.
- تعمل وفق معايير قياسية دولية معلنة مسبقاً.
- تنشر نتائجها وتوصياتها بـشفافية مطلقة أمام الرأي العام والجمعية العمومية.
إن وجود هذا الضابط المستقل هو ما يبني جسور الثقة المهدمة بين الجماهير والمؤسسة، ولا يضعفها أبداً.
كيف يغيّر ذلك المشهد؟
حين يدرك مجلس الإدارة أن مقاعده ليست حصينة، وأن أدائه خاضع لمجهر الفحص الدوري، ستحدث ثورة بيضاء في السلوك المؤسسي:
- تتراجع القرارات الارتجالية والمواقف “اللحظية”.
- تتصدر الشفافية كمرتكز أساسي في كشف البيانات المادية والتعاقدية.
- تتحسن إدارة الأزمات بفضل الخطط الاستباقية لامتصاص الصدمات.
- تُربط الوعود الانتخابية بنتائج رقمية قابلة للقياس والمحاسبة.
هنا فقط، ينفض المنصب رداء “النفوذ والوجاهة”، ليرتدي ثوب “المسؤولية والأمانة”.
هل نحن مستعدون لهذه الخطوة؟
إن كرة القدم السودانية اليوم تقف في مفترق طرق تاريخي، وهي في رمقها الحالي لا تحتاج إلى مسكنات أو خطابات تطمينية إنشائية، بل تحتاج إلى أدوات جراحية تعيد بناء الثقة المفقودة.
إن تحويل الاتحاد إلى مؤسسة تخضع لتقييم دوري مستقل هو الحماية الحقيقية للقائمين على الأمر قبل اللعبة نفسها. فالهيبة الحقيقية للمؤسسات لا تُستمد من التخفي وراء جدران غياب المساءلة، بل من الشجاعة في الخضوع لها بملء الإرادة والثقة.
الخلاصة
إذا كنا نبحث عن اتحاد قوي، فلنصنع اتحاداً شجاعاً يملك الجرأة ليُقَيَّم. المنظومات التي ترتعد خوفاً من التقييم، هي منظومات هشّة تدرك في قرارة نفسها أنها تخسر ثقة مجتمعاتها. أما المنظومات الراشدة التي تتبناه وتشرع له الأبواب، فهي التي تشتري الاستقرار المستدام وتكتب تاريخاً جديداً للرياضة.
وفي الحلقة القادمة: هل يمكن بناء نموذج حوكمة رياضي سوداني خاص بنا بدل استيراد النماذج؟
خبير حوكمة واستدامة القيمة في القطاع الرياضي













