بوح الحبر
د. الحبر عبدالوهاب
غادرنا (مسمار) وتركنا أضواءها خلفنا قاصدين عطبرة. لم يستطع كشاف السيارة العلوي هزيمة جحافل الظلام على جانبي الطريق. ظلام حرمني من متابعة معالم الطريق، وتذكرت قول الشاعر الشعبي:
الدرب انشحط واللوس جبالو اطناطن
والبندر بِعدْ، فوانيسو البيوقدن ماتن
ركزت ناظريّ على الطريق المخدد أمام السيارة، ممارساً دوري في إيناس السائق (أبو القاسم) وإبقائه يقظاً حتى لا ينام ويوردنا المهالك. أبو القاسم خريج جامعي تخصص في علوم الكمبيوتر، ترك تخصصه وعمل سائقاً في (شريحته). هذا حال معظم شباب بلادي حينما تضيق بهم الحياة. ينسون تخصصاتهم وشهاداتهم ويضربون في الأرض. أنا نفسي عملت ذات يوم مزارعاً و(عتالي) و(دهابي)! ولديّ صديق عمل حفّار آبار. سألت أبو القاسم والسيارة تحاول عبور شق كبير قطع جسد الإسفلت:
_ ما اسم هذا المكان المنقطع عن العالم؟ أجاب باختصار: (أبو حدير)! ثم سألته:
– ما هذه الحشرة الضخمة التي تتراقص في ضوء
السيارة؟
-كربة.
_ والتي رأيناها قبل قليل – هل هي عقرب؟
_ نعم. عقرب خلاء. العقارب هنا كثيرة.
_ من العجب أنها تعبر الطريق من الجنوب إلى الشمال!
_ نعم.
_ كم ساعة تبقت لنصل عطبرة؟
_ عطبرة بعيدة. احتمال يوقفنا (المرور) لننام في الطريق، لكنني سأحاول الوصول إلى (الهودي).
_ الهودي؟!
_ نعم، العبور الذي قبل عطبرة.
_ أها.
…
وهكذا (حملت) السائق أبو القاسم و(حملني). كما تقول (العرب). أسئلة وونسة وقصصا، ودلني على (خور عرب) و (وادي العشار)، وداهمتنا عند منتصف الليل عاصفة ترابية عنيفة جعلت (الشريحة) التي يعلوها العفش تترنح، لكننا رغم ذلك واصلنا سيرنا حتى وصلنا إلى(الهودي) بُعد منتصف الليل، وهناك أجبرنا (المرور) على المبيت.
كنا مرهقين حد الإعياء، فجاء بنا أبو القاسم إلى مقهى متواضع عند العبور، حيث استأجرت منه سرير قيطان صغيرا (حسن عدس) بـ (1200) جنيه، لأريح جسدي عليه بقية الليل، وبعد أن حررته من جنزيره ورفاقه حملته مغالباً الإعصار والغبار ووضعته بجانب السيارة المتعبة اتقاء (التلقيحة)، ورقدت متكورا على نفسي، متوسدا قبضة يدي اليمنى ومردداً قول شوقي:
ويا وطني لقيتك بعد يأس… كأني قد لقيت بك الشبايا!.









