بوح الحبر
د. الحبر عبد الوهاب
بعد أسبوع من مكوثي في قريتي، تفقدت فيه دروبها وأزقتها ومزارعها ونيلها وأشجار نخيلها، مسترجعًا ذكريات الصبا الذي مر كظل غمامة عابر، توجّهت جنوبًا إلى الخرطوم بحري التي أحب.
لم يعد السفر مباشرة من المصفاة إلى المحطة الوسطى بحري متاحًا، فأحداث الحرب وويلاتها جعلته مجزّأ على مراحل تنتهي عند كوبري الحلفاية.
في طريقي إلى الجيلي هالني منظر السيارات المتكدسة يمين” المرور”.
مشهد مرعب يصور ويلات الحرب وتجبّر الغزاة. هذه بعض سيارات المواطنين التي “همبتها” “الشفشافة” وتركوها هياكل عظمية وجمّعتها الشرطة هنا. قلت لمرافقيَّ في “الهايس”:
– لماذا لا يأتي أصحابها ويأخذونها؟
قال أحدهم:
– دي بقت هياكل لا فائدة منها.
وقال آخر:
– أصحابها وين؟ الناس مرقت بجلدها حتى وصلت مصر وبلاد الواق واق. كثير منهم لم يرجع حتى الآن. الله يقطع الدعامة أذلوا الناس بسلاحهم فقط. لولا سلاحهم الزول “براه” “يقضّي” ستة منهم. الناس من “الشافوه” لا بد تتسلح.
وشرق هذا المكان قال صديقي الأستاذ علي وهو يشير إلى ثقب ضخم في سقف “برندة” متجره: ده ثقب قذيفة طائرة مسيرة استهدفت سيارة محملة بالذخائر والمتفجرات كانت تقف هنا. ربّك لطف أن الذخائر انفجرت إلى الخارج. تعال شوف السيارة الحطام.
عند “عبور” الجيلي تمعنت مليًا في المكان الذي ظهر فيه مرتزق في أحد الفيديوهات وهو يؤكد بقاءهم هنا إلى الأبد! لكن هذه الأرض الغبراء الحمراء لا يبقى فيها إلا أهلها الشجعان الذين رضعوا من ثديها، وخبروها وخبرتهم، والآن درجة حرارة صيفها تلامس الخمسين، ومع ذلك، في عز الظهيرة، تجد الصبيان الصغار بصبر جِمال يعرضون أكياس الجوافة والليمون على المسافرين بثمن بخس.
في الجيلي، المحطة، ترجّلت لأجد على قارعة الطريق مقذوفات ضخمة فارغة مبعثرة هنا وهناك، وبقايا رماد تجسِّد حدة المعارك وكثرة الضحايا.
القرى النائمة على جانبي شارع المعونة شردت أهلها الحرب وهدمت بيوتها، خاصة الخوجلاب التي ترقد على ضفة النيل الشرقية في مقابل قاعدة وادي سيدنا الجوية التي كانت مع غيرها من مناطق الصمود الدرع الذي حمى السودان من الزوال. بيوت الخوجلاب جعلتها القذائف خاوية على عروشها، يرى المار طلاء جدرانها الداخلية المهدمة. وفي أبو حليمة شرق الطريق رأيت صفًا من “التريلات” وناقلات الوقود الضخمة المحترقة، والتي كانت تنقل الوقود للمرتزقة من المصفاة التي تشبثوا بها قرابة ثلاثة أعوام. ثم هذا هو كوبرى الجوافة الذي شهد حرب عصابات أرهقت الغزاة وقطّعت أوصالهم وأفقدتهم الريف الشمالي بأكمله. ثم جئت الكدرو ومستشفى الريحانة الذي ما زالت ثقوب المدافع تزيّن واجهاته، وهنا ترجلت، فالكدرو التي درست فيها المرحلة المتوسطة أكنُّ لها كثيرًا من الحب والود، واتجهت غربًا لأرى مدرستي العريقة، مرددًا قول شوقي:
ويا وطني لقيتك بعد يأس..
كأني قد لقيت بك الشبابا











