في الصميم
حسن أحمد حسن
هناك أبناء يفتحون أعينهم فيرون البيت جاهزًا، والسيارة أمام الباب، والعمل قائمًا، والاسم معروفًا بين الناس… فيظنون أن كل ذلك وُلد معهم، وأن النعمة نزلت من السماء بلا تعب.
لكنهم لا يعرفون أن خلف كل حجر في هذا البيت قصة وجع… وخلف كل جنيه دُفع ثمنه سنوات من السهر، والجوع، والخوف، والحرمان.
يا أبنائي…
الحياة لم تكن سهلة معي يومًا.
لم أولد وفي فمي ملعقة من ذهب، ولم أجد الدنيا مفروشة بالورود. بدأت من الصفر… بل ربما من تحت الصفر. ذقت مرارة الفشل، وقسوة الحاجة، وخذلان الناس، وسرت في طرق مليئة بالأشواك حتى أصل إلى ما أنا عليه اليوم.
كم مرة نمت مهمومًا حتى تناموا أنتم مطمئنين!
كم مرة أخفيت عنكم ضيق الحال حتى لا تنكسر طفولتكم!
كم مرة ضحيت برغبتي لأحقق رغباتكم!
سنوات طويلة من الكفاح… حتى بنيت لكم بيتًا يحميكم، وصنعت لكم اسمًا يفتح لكم الأبواب، وأقمت لكم عملًا تستطيعون أن تكملوا به المسيرة، لا أن تبدأوا من جديد.
لكن يؤلمني أن أرى بعض الأبناء يتعاملون مع كل ذلك باستهتار… وكأن ما وصل إليهم جاء بلا ثمن.
اعلموا أن البناء أصعب ألف مرة من الهدم.
قد يحتاج الإنسان عشرين أو ثلاثين عامًا ليبني مؤسسة أو تجارة أو سمعة طيبة… لكن شخصًا مستهترًا قد يهدمها كلها في أشهر، وربما في أيام.
الثروة لا يحافظ عليها المال… بل يحافظ عليها العقل.
والاسم لا يحميه الأب… بل يحميه الأبناء.
والبيوت لا تسقط بسبب الفقر دائمًا… بل كثيرًا ما تسقط بسبب الإهمال، والكسل، والغرور، وسوء التصرف.
يا أبنائي…
إذا كنتم تحبونني حقًا، فلا تكتفوا بالكلمات.
احفظوا ما تعبت من أجله.
احموا الاسم الذي شقيت حتى أصبح محترمًا.
كبروا العمل الذي سلمته لكم، ولا تكونوا الجيل الذي يستهلك ولا ينتج، ويهدم ولا يبني.
تذكروا دائمًا أن الرجل الحقيقي لا يُقاس بما ورثه… وإنما بما حافظ عليه، وما أضافه إليه.
فمن العار أن يستلم الابن قصرًا من أبيه، ثم يتركه أطلالًا.
ومن الخزي أن يرث تجارة مزدهرة، ثم يبددها في اللهو والتهاون.
ومن الوفاء أن تقولوا بأفعالكم قبل أقوالكم:
“لن نُضيِّع تعب أبينا… ولن نهدم ما بناه بعرق السنين.”
فالأب لا يترك لأبنائه المال فقط… بل يترك عمرًا كاملًا، فلا تجعلوا نهاية هذا العمر حسرة.











