بلا ميعاد : عوض أحمد عمر
– بعض المناسبات والأيام الوطنية نتفاعل معها تقديراً لأهلها.. وبعضها يتجاوز ذلك.. فيلامس في دواخلنا مشاعر خاصة.. بما صنعته الأيام من محبة وما حفظته الذاكرة من مواقف راسخة تظل دائما محل الاعتزاز والاحتفاء .
– ومن هنا.. لم تكن مشاركة السودانيين أشقاءهم السعوديين فرحة اليوم الوطني مجرد تعبير عن التهنئة في مناسبة عزيزة على أهل المملكة.. وإنما انعكاساً لعلاقة لها خصوصيتها.. علاقة صنعتهاسنوات طويلة من العشرة ورسختها المودة وحسن التعامل وطيب المعشر .. وحفظتها مواقف ظلت حاضرة في ذاكرة السودانيين بكل عزة وفخر .
– اليوم المملكة كلها تحتفي بيومها الوطني .. والسعوديون يتبارون في التعبير عن فرحتهم واعتزازهم بوطنهم، فيما تتنافس المؤسسات والشركات في ابتكار صور المشاركة والتعبير الصادق …من التخفيضات والعروض إلى المبادرات والفعاليات.. وتمتد أجواء الاحتفال إلى شركات الطيران والفنادق والمطاعم والمتاجر..حتى يبدو اليوم الوطني حاضراً في مختلف تفاصيل الحياة.
– وفي قلب هذه الأجواء، كان للسودانيين تفاعلٌ يحمل خصوصية العلاقة ودفء العشرة وذاكرة المواقف.
– فبين السوداني والسعودية حكاية أطول من سنوات الإقامة.. وأعمق من علاقة إنسان بمكان جاء إليه بحثاً عن العمل والرزق.
– عدد كبير من السودانيين عاشوا في المملكة سنوات طويلة.. وكبر أبناؤهم بين أهلها، وتكونت صداقاتهم وذكرياتهم في مدنها وقراها وصحاريها وجبالها حتى أصبحت تفاصيل كثيرة من الحياة فيها جزءاً من ذاكرتهم الشخصية والعائلية.
– ولعل أجمل ما في هذه العلاقة أن السوداني في المملكة كثيراً ما يتصرف بتلقائية من يشعر بأنه في وطنه و بين أهله.
– أسهم في ذلك ما وجده أبناء الجالية من تقدير وحسن تعامل، وما نشأ بينهم وبين السعوديين من علاقات إنسانية واجتماعية تجاوزت حدود العمل والإقامة.
– لهذا تختلف مشاركة السودانيين في فرحة اليوم الوطني… فهي ليست مجاملة تقتضيها الإقامة في بلد شقيق وإنما تعبير صادق عن محبة تراكمت عبر السنين، وعن تقدير لوطن فتح أبوابه لهم، ولشعب أحسن استقبالهم ومعاملتهم.
– غير أن خصوصية العلاقة بين السودان والمملكة لا تقف عند حدود المشاعر الشعبية، فخلف هذه المحبة ذاكرة طويلة من المواقف.
– تغيرت الأنظمة والحكومات في السودان، وتبدلت السياسات والتوجهات والتحالفات، وظلت المملكة قريبة من السودان .. حاضرة في محطاته المختلفة، تنظر إليه باعتباره بلداً شقيقاً تربطه بها وشائج التاريخ والجغرافيا والمصالح والروابط الإنسانية.
– وفي المواقف الصعبة تحديداً، تكتسب العلاقات معناها الحقيقي…واليوم، يمر السودان بواحدة من أقسى الابتلاءات … حرب أرهقت شعبه.. وشردت الملايين..وألحقت دماراً واسعاً بمقدراته، ووضعت وحدة البلاد واستقرارها أمام تحديات بالغة الخطورة.
– وفي هذه المحنة.. كانت المملكة حاضرة…نعم حاضرة بالمساعداتالإنسانية، وبالتحرك السياسي والدبلوماسي، واستضافت جدة جهوداً ومحادثات استهدفت وقف القتال وحماية المدنيين وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية.
– كما ظل الموقف السعودي الرسمي يؤكد أهمية المحافظة على سيادة السودان ووحدته وسلامة أراضيه بالوقوف مع الدولة وحق السودانيين في تقرير مستقبل بلادهم.
– ولعل قيمة هذا الموقف تتضاعف في وقت أصبحت فيه الأزمة السودانية ساحة لتقاطع المصالح والتدخلات والحسابات الإقليمية والدولية.
– فالسودان اليوم لا يحتاج فقط إلى من يقدم له المساعدة، على أهمية ذلك، وإنما يحتاج أيضاً إلى من يقف إلى جانب وحدته وسيادته، ويرفض أن تصبح معاناة شعبه مدخلاً لفرض واقع يمس إرادته أو يهدد وحدة أرضه ومستقبل دولته.
– ومن هنا، ينظر السودانيون بتقدير إلى الموقف السعودي المشرف .. ليس فقط لما قدمته المملكة من دعم، وإنما لما تمثله من ثقل سياسي ودبلوماسي، وما يمكن أن يؤديه موقفها من دور في حشد الجهود الداعمة للشعب والمحافظة على السودان دولة موحدة آمنة ومستقرة.
– وهكذا..حين يشارك السوداني أشقاءه السعوديين فرحة يومهم الوطني تقف خلف ابتسامته الصادقة حكاية أكبر من المناسبة نفسها.
– إنه يفرح لوطن عاش على أرضه مكرماً..ولشعب وجد بين أهله المودة والتقدير، ولبلد ظل قريباً من السودان حين تبدلت الظروف واشتدت المحن.
– وتلك ربما أجمل صور العلاقات بين الشعوب.. أن تتجاوز المصالح الرسمية إلى مساحة أرحب.. يصبح فيها الفرح متبادلاً، والمواقف محفوظة، والوفاء قيمة حاضرة .
▪️آخر الكلم ▪️
– في يوم المملكة الوطني…يفرح السعوديون بوطنهم ويشاركهم السودانيون فرحتهم بمحبة صادقة، وهم يستحضرون في الوقت نفسه سجلاً من المواقف الخالدة .
– حفظ الله المملكة العربية السعودية، أرض الحرمين الشريفين وقبلة المسلمين، قيادة وشعباً، وأدام عليها نعمة الأمن والعز والازدهار. وحفظ الله السودان وأهله، وأعاد إليه سلامه واستقراره، وأدام بين الشعبين الشقيقين هذه الخصوصية المتفردة .. محبة تحفظها القلوب ومواقف يخلدها التاريخ.













