بلا ميعاد : عوض أحمد عمر
- أثار ما تردد أخيراً بشأن شعار الهلال والعبارة الراسخة «الله.. الوطن.. الهلال»، وما صاحب ذلك من ردود أفعال و حديث عن حقوق حصرية ومطالبات مالية، نقاشاً يتجاوز حدود الرياضة إلى سؤال أوسع يتعلق بطبيعة الأفكار والشعارات.. هل يمكن احتكار ما أصبح جزءاً من الوجدان العام؟.
- من الشعارات التي ارتبطت بالحياة السياسية السودانية عبر عقود طويلة شعار «الله.. الوطن.. الديمقراطية»، الذي رفعه الحزب الاتحادي الديمقراطي وأصبح جزءاً من هويته الفكرية والسياسية، حتى غدا حاضراً في خطابه وأدبياته وذاكرة أجيال من السودانيين.
- وإذا لم تخني الذاكرة أو أجاف الحقيقة او يلتبس علي الأمر فإن أول من استلهم هذا الشعار وربطه بنادي الهلال كان الأستاذ الملهم عبد المنعم شجرابي فكتب العبارة الشهيرة «الله.. الوطن.. الهلال».
- لم يكن ذلك نقلاً حرفياً لعبارة سياسية، وإنما إعادة إنتاج لمعنى قائم في سياق جديد، منح الهلال بعداً رمزياً يتجاوز حدود المستطيل الأخضر إلى فضاءات أرحب من المعاني الوطنية والثقافية والاجتماعية.
- والحقيقة أن الاقتباس ليس عيباً ولا انتقاصاً من الإبداع، بل هو أحد تجلياته الراقية.
- فالأدب العربي زاخر بالتضمين والاستلهام والاقتباس، واستعان كبار الشعراء والكتاب بعبارات وحكم وأفكار سابقة، ثم أعادوا تقديمها في صور جديدة أكسبتها معاني ودلالات مختلفة .
- وحين انتقل الشعار من فضاء السياسة إلى فضاء الرياضة لم يفقد معناه، بل اكتسب دلالات إضافية ترتبط بالانتماء والهوية والوجدان الجمعي لجماهير الهلال الغالبة .
- ولهذا ظل الهلال، عبر تاريخه الطويل، أكثر من مجرد ناد لكرة القدم… فقد ارتبط في الذاكرة السودانية بكثير من الرموز الوطنية والثقافية، وأصبح اسمه حاضراً يجمل الأغنبات ويزبن الأشعار .
- ولم يكن ذلك من قبيل المصادفة، بل نتيجة لمكانة صنعها النادي عبر عقود من الحضور والتأثير.
- ومن هنا تبدو محاولة احتكار مثل هذه العبارة أمراً يثير الاستغراب أكثر مما يثير الجدل.
- فالشعارات والأفكار التي تستقر في الوجدان العام لا تعود ملكاً لأفراد، وإنما تصبح جزءاً من التراث المعنوي المشترك الذي تتناقله الأجيال وتعيد توظيفه في سياقات مختلفة.
- والمحزن حقاً أن ينشغل البعض بالبحث عن ملكية معنوية لعبارة اشتهرت وانتشرت في المجال العام، بدلاً من الانشغال بالقيم والمعاني التي تحملها.
- فالأصل في مثل هذه العبارات أن تُقاس بقوة حضورها وتأثيرها في الناس، لا بمن يدعي امتلاكها أو يحتكر استخدامها (شفشفة ).
- أن من الصعب ومن غير المقبول الإستجابة لمطالبة أي شخص بمقابل مالي نظير استخدام شعار لم يكن هو صاحب فكرته الأصلية.
- فالحقوق الأدبية تبنى على الابتكار والإبداع، لا على مجرد نقل فكرة من سياق إلى آخر.
- وحتى إذا افترضنا وجود إجراءات قانونية تتعلق بتسجيل اسم أو شعار أو علامة معينة، فإن ذلك لا يمنح بالضرورة حقاً أخلاقياً أو ثقافياً في احتكار الفكرة نفسها.
- فهناك فرق بين الحماية التنظيمية التي يقرها القانون، وبين الوجدان العام الذي يمنح بعض الشعارات مشروعيتها وانتشارها واستمرارها.
▪️آخر الكلم ▪️ - يبقى الأهم من كل ذلك أن يتعامل مجلس إدارة الهلال مع هذه القضية بعقلية المؤسسة وملزمات التكليف والتفويض الجماهيري .
- فالمسألة لا تتعلق بشعار بعينه، وإنما بضرورة وضع سوابق واضحة تحمي رموز النادي وإرثه المعنوي من أي ادعاءات مماثلة مستقبلا.
- فالمؤسسات الكبيرة لا تصنع هيبتها بالتسويات المؤقتة، وإنما بالمواقف الحاسمة التي ترسخ الحقوق وتغلق الأبواب أمام محاولات الابتزاز أو المتاجرة بالرموز العامة.
- أما «الله.. الوطن.. الهلال» فقد تجاوزت منذ زمن طويل حدود الأفراد، وأصبحت جزءاً من ذاكرة الهلال ووجدان جماهيره الغالبة .
- وما تمنحه الجماهير من شرعية لرمز أو شعار لا تستطيع أي أوراق أن تحتكره، ولا أي دعاوى أن تصادره.
Omeraz1@hotmail.com












