بلا ميعاد : عوض أحمد عمر
– الكابتن محمد عبد الرحمن «الغربال» ليس اسما طارئا على الهلال، ولا لاعبا صنعته الصدفة أو الإجادة في مباراة واحدة.
– فهو أحد أبناء النادي الذين تدرجوا في مراحله السنية من الأشبال، ونمت تجربته داخل الهلال، واستمر عطاؤه حتى أصبح واحدا من أبرز نجومه.
– فهو لاعب صاحب تجربة طويلة، وموهبة كبيرة، وحضور ممتد مع الهلال والمنتخب .. وصنع لنفسه مكانة معتبرة بين أبرز المهاجمين السودانيين في السنوات الأخيرة.
– قيمته لم تأت من فراغ، وإنما صنعتها سنوات من الاجتهاد، والحضور المؤثر، والتألق والتسجيل في مباريات كبيرة، والقدرة على صناعة الفارق في المواجهات المهمة.
– ولهذا، فإن الحديث عن محمد عبد الرحمن يجب أن يبدأ من حقيقة أن أمامنا لاعبًا صاحب قيمة وتجربة وإمكانات، لا لاعبا يمكن الحكم عليه بعجالة، أو اختزال مسيرته في فترة تراجع، مهما طال أمدها أو اتسع الجدل حولها.
– ومع ذلك، يتعرض «الغربال» في الفترة الأخيرة لحملة قاسية وغير منصفة، خرج جانب منها عن حدود النقد المشروع، وتحول إلى أحكام حادة ومواقف انطباعية تقلل من اللاعب أكثر مما تناقش أداءه.
– الأخطر أن آثار مثل هذه الحملات لا تتوقف عند حدود الجدل في المدرجات أو منصات التواصل.
– فاللاعب في النهاية بشر .. يتأثر بما يسمعه ويراه، وقد تهتز ثقته بنفسه تحت الضغط المستمر.. وقد يتحول النقد المتكرر من دافع إلى عبء، ومن ملاحظة إلى عامل إحباط وهدم.
– وكم من لاعب لم تهزمه الإصابة أو المنافسة بقدر ما أرهقته بيئة جعلته يشعر بأن كل خطأ جريمة وكل تراجع حكم نهائي على قدرته ومستقبله.
– ولهذا، فإن التعاطي مع مستوى أي لاعب يجب أن يكون أكثر موضوعية وإنصافًا… لا ينبغي أن نستعجل الحكم، ولا أن نستدعي الكراهية أو التصفية الشخصية كلما أخطأ لاعب أو تراجع مستواه.
– فالكرة لا تعرف لاعبًا حافظ على مستواه في أعلى درجاته طوال مسيرته، كما لا تعرف نجمًا لم يمر بمرحلة اهتز فيها حضوره أو تراجعت خطورته .
– الجماهير التي تنتقد محمد عبد الرحمن اليوم هي في الأصل الجماهير ذاتها التي حملته يومًا على الأعناق، وهتفت باسمه، واحتفت بأهدافه، ورأت فيه أحد أهم نجومها وإطلقت عليه لفب الغربال .
– وهذه الحقيقة وحدها تستدعي قدرا أكبر من التوازن والإنصاف.
– ليس مطلوبا من الجمهور أن يتراجع عن حقه في النقد، أو عن تطلعه إلى أداء يليق باسم الهلال وطموحاته، ولا أن يصطنع الرضا عن مستوى لا يقنعه،
– لكن من المهم أن يتذكر أن علاقته باللاعب لا ينبغي أن تنتقل بالكامل من الإعجاب إلى القسوة بسبب مرحلة واحدة، من دون مراعاة للظروف والمتغيرات التي يمر بها اللاعب.
– فكما منحت الجماهير اللاعب ثقتها ومحبتها في أيام التألق، فمن العدل أن تمنحه قدرًا من الصبر والاحتمال في أيام التراجع.
– وفي المقابل، فإن المسؤولية لا تقع على الجمهور وحده؛ فاللاعب نفسه مطالب بأن يتعامل بإيجابية ومسؤولية مع هذه الآراء، مهما كانت قاسية أو محدودة أو غير منصفة.
– عليه ألا يسمح لها بأن تتحول إلى عبء داخلي، وألا يجعلها تهز ثقته بنفسه أو تدفعه إلى الدخول في مواجهة مع جمهوره.
– بل ربما يكون الأجدى أن يجد العذر لكثيرين؛ فالجماهير التي تغضب اليوم هي نفسها التي فرحت به طويلًا وحملته على الأعناق، وربما كان جزء من غضبها نابعا من ارتفاع سقف توقعاتها منه، ومن الصورة الكبيرة التي رسخها هو بنفسه في أذهانها.
– اللاعب الكبير لا يكتفي برفض النقد، وإنما يعرف كيف يمتصه، وكيف يحوله إلى دافع إضافي للعودة واستمرار مسيرة التألف .
– وهنا يبرز التحدي الحقيقي أمام «الغربال»: أن يجتهد أكثر، وأن يستعيد حضوره بثبات، وأن يعود إلى الصورة التي عرفته بها جماهير الهلال وانتظرته بها في المواعيد الكبيرة.
– فالرد الأقوى على كل حملة لا يكون بالهروب أو بالاستجابة السلبية، وإنما بالعودة إلى المستوى الذي يجعل النقد نفسه يتراجع أمام ما يقدمه اللاعب داخل الملعب.
– ومحمد عبد الرحمن، وهو كابتن الفريق وأحد أكثر لاعبيه خبرة، مطالب أيضًا بأن يقدم نموذجًا في كيفية امتصاص الغضب الجماهيري، والتعامل معه بوعي، وتحويله من حالة سلبية إلى دافع جديد لاستعادة الثقة.
– فالقيادة لا تظهر فقط في حمل الشارة داخل الملعب، وإنما كذلك في طريقة مواجهة اللحظات الصعبة، وفي القدرة على التعامل مع الضغوط، واستعادة ثقة الجمهور عندما تهتز العلاقة مؤقتا.
▪️آخر الكلم▪️
– المعركة الحقيقية أمام «الغربال» الآن ليست مع منتقديه، وإنما مع نفسه.
– أن يستعيد أفضل ما لديه، وأن يقدم ما يعيد إلى الجمهور الصورة التي أحبها فيه، وأن يثبت أن مرحلة التراجع لم تكن نهاية، وإنما محطة يمكن تجاوزها والعودة منها أكثر حضورًا وتألقًا.
– وعندما يحدث ذلك، فإن كثيرا من الأصوات التي تنتقد اليوم ستكون أول من يعود إلى الهتاف باسمه.
– وهذه هي طبيعة الجماهير؛ تغضب، وتنتقد، وتبالغ أحيانًا، لكنها تعرف كذلك كيف تعود حين ترى أمامها اللاعب الذي أحبته وقد استعاد حضوره وتأثيره.
– و«الغربال» يملك من الخبرة والموهبة والإمكانات ما يجعله قادرًا على استعادة ذلك اللاعب الذي أحبته جماهير الهلال، والعودة بما يوازي تطلعاتها وآمالها، وربما بأفضل مما كان.
Omeraz1@hotmail.com













