مواقف وسوالف
خالد الضبياني
في الرابع عشر من أغسطس لا يحتفل السودان بيوم عابر في رزنامة الأيام وإنما يستعيد ذاكرة مؤسسة ارتبط اسمها بتاريخ الدولة السودانية الحديثة وبسنوات طويلة من التضحية والفداء والدفاع عن الأرض والسيادة.72 عاماً من سودنة الجيش و101 عام على نشأة نواته الحديثة. ففي عام 1925 بدأت النواة الحديثة للقوات المسلحة السودانية تحت مسمى قوة دفاع السودان ثم جاء الرابع عشر من أغسطس 1954 يوماً مفصلياً في التاريخ الوطني حين انتقلت قيادة الجيش إلى السودانيين وتسلم الفريق احمد محمد الجعلي القيادة لتصبح القوات المسلحة أول مؤسسة سودانية يتم سودنتها قبل أن يشرق فجر الاستقلال في الأول من يناير 1956.وهكذا لم يكن الجيش مجرد مؤسسة عسكرية لحماية الحدود بل كان أحد الشواهد الكبرى على انتقال السودان من عهد الاستعمار إلى عهد الدولة الوطنية.حين نقرأ تاريخ القوات المسلحة السودانية نجد صفحات طويلة كتبت بالدم والعرق والصبر.قاتل أبناء السودان في الحرب العالمية الثانية وشاركوا في جبهات إريتريا وإثيوبيا كما شاركوا في حملة الصحراء الغربية ومعركة العلمين. ثم حمل الجندي السوداني سلاحه دفاعاً عن قضية فلسطين عام 1948 قبل أن يعود إلى ميادين القتال العربية في حرب أكتوبر 1973 حيث أرسل السودان لواء مشاة إلى سيناء دعماً للجبهة المصرية.لكن من أطول وأقسى صفحات تاريخ الجيش السوداني كانت الحرب في جنوب السودان ضد الحركة الشعبية لتحرير السودان والجيش الشعبي لتحرير السودان.فمنذ اندلاع الحرب عام 1983 وحتى توقيع اتفاقية السلام الشامل عام 2005، خاضت القوات المسلحة السودانية حرباً امتدت لأكثر من عقدين في واحدة من أطول الحروب الأهلية في القارة الأفريقية.كانت المعارك تدور في بيئة بالغة الصعوبة وسط الأحراش والأنهار والمستنقعات والمساحات الشاسعة وخاض الجنود السودانيون معارك قاسية في مناطق مثل جوبا وملكال وواو وأعالي النيل والاستوائية.وعلى امتداد تلك السنوات سقط آلاف الشهداء والجرحى.ومهما اختلفت القراءات السياسية لأسباب تلك الحرب ونتائجها فإنها تظل صفحة أساسية في السجل العسكري للقوات المسلحة السودانية صفحة يتذكر فيها السودان أبناءه الذين عاشوا سنوات طويلة في الخنادق بعيداً عن أسرهم وهم يؤدون واجبهم في الدفاع عن السودان الوطن.ولم يتوقف حضور القوات المسلحة السودانية عند حدود الوطن.فقد شارك الجيش السوداني في عدد من الحروب والمهام العربية والأفريقية والدولية وقدم جنوده وضباطه في ساحات مختلفة.شارك السودان في حرب فلسطين عام 1948 وفي حرب أكتوبر 1973 كما شاركت القوات السودانية في عمليات حفظ السلام والاستقرار في عدد من الدول وكان للجيش حضور في الكونغو وتشاد وناميبيا ولبنان وغيرها.كما ساهمت المؤسسات العسكرية السودانية في تدريب وتأهيل عسكريين من دول عربية وأفريقية وظلت الخبرة العسكرية السودانية حاضرة في المنطقة.لقد عرف العالم العربي الجندي السوداني مقاتلاً شجاعاً ومدرباً محترفاً ورجلاً يحمل معه قيم الانضباط والشهامة والمسؤولية.من الجنوب إلى دارفور وكردفان جبهات لا تنتهي.بعد سنوات الحرب الطويلة في الجنوب واجه الجيش جبهات أخرى داخل السودان من دارفور إلى جنوب كردفان والنيل الأزرق وخاض معارك وصراعات مسلحة فرضت عليه الانتشار في مساحات شاسعة من البلاد.ثم جاءت الحرب التي اندلعت في أبريل 2023 لتضع القوات المسلحة أمام واحدة من أعقد وأقسى مراحل تاريخ السودان الحديث.وفي هذه الحرب خاض الجيش معارك عنيفة في الخرطوم وأم درمان والخرطوم بحري وفي دارفور وكردفان والنيل الأزرق وغيرها من الجبهات.ومع مرور الوقت حققت القوات المسلحة وحلفاؤها تحولات ميدانية كبيرة من فك حصارات واستعادة مواقع ومدن إلى استعادة مناطق واسعة من العاصمة ومحيطها ثم التقدم في محاور كردفان.وفي التطورات الأخيرة حققت القوات المسلحة تقدماً في شمال كردفان واستعادت مناطق مهمة كما نجحت في فك حصار كادوقلي والدلنج وهي تطورات شكلت نقاط تحول مهمة في مسار الحرب.مر الجيش باختبارات قاسية لكن قيمة الجيش تظهر حين تكون الدولة نفسها تحت الاختبار.والقوات المسلحة السودانية بكل ما يمكن أن يقال عن تاريخ المؤسسة العسكرية وتجاربها السياسية تبقى مؤسسة ارتبط اسمها بالدولة السودانية وبمعنى السيادة والوطن.واليوم بعد أكثر من قرن على بداياتها الحديثة وبعد 72 عاماً من سودنة قيادتها يقف الجيش في واحدة من أصعب مراحل التاريخ السوداني.تحية للجندي الذي يقف في الخندق بعيداً عن أهله.تحية للضابط الذي يحمل مسؤولية جنوده في أصعب اللحظات.تحية للشهداء الذين تركوا خلفهم أسماء لا تموت.وتحية لأسر الشهداء والجرحى والمفقودين وكل من دفع ثمناً من أجل الوطن.101 عام من التاريخ 72 عاماً من السودنة ومسيرة عسكرية كتبتها أجيال من أبناء السودان.في عيد الجيش السوداني لا نحتفي بالحرب من أجل الحرب ولا بالسلاح من أجل السلاح وإنما نستحضر معنى الوطن والسيادة والتضحية ونستذكر رجالاً حملوا مسؤولية الدفاع عن السودان في أصعب الظروف.
من جنوب السودان إلى دارفور ومن كردفان والنيل الأزرق إلى جبهات اليوم ومن فلسطين وسيناء إلى ساحات العمل العربي والأفريقي ظل الجندي السوداني حاضراً في صفحات كثيرة من تاريخ بلاده والمنطقة.كل عام والقوات المسلحة السودانية بخير.كل عام وجيش السودان أكثر قوةً وتماسكاً.
المجد للشهداء والعزة للسودان والتحية لكل جندي سوداني حمل السلاح دفاعاً عن وطنه.جيش السودان 101 عام من التاريخ و72 عاماً من السودنة وذاكرة وطن لا تنحني.











