بلا ميعاد : عوض أحمد عمر
▪️
- ظل الغناء السوداني، على مدى عقود طويلة، أحد أبرز مكونات الوجدان الوطني، ومرآة تعكس حياة الناس وأحلامهم وتحولات مجتمعهم.
- ولم تكن الأغنية مجرد وسيلة للترفيه، بل فضاء إبداعيا تلتقي فيه روعة الكلمة بجمال اللحن، وتمتزج الثقافة بالعاطفة، وتتداخل الذاكرة مع تفاصيل الحياة والتاريخ والجغرافيا، حتى أصبحت الأغنية سجلاً وجدانياً يحفظ ملامح السودان وروحه.
- ولهذا بقيت أعمال كثيرة في الذاكرة، لا لأنها انتشرت سريعاً، وإنما لأنها امتلكت من القيمة والجمال ما جعلها قادرة على البقاء ومقاومة الزمن.
- ولا يمكن تأمل تاريخ الغناء السوداني من دون التوقف عند جيل الحقيبة الماتع ذلك الجيل الذي أسهم في تأسيس وجدان فني كامل، وترك نصوصاً ما تزال تحتفظ بحرارتها وجمالها حتى اليوم.
- يكفي أن نستدعي أسماء مثل أبو صلاح، وود الرضي، وسيد عبد العزيز،وخليل فرح والمساح، ثم الأجيال التي أعقبتهم ووسعت أفق الأغنية السودانية شعراً وفكراً وصورة وجمالاً منهم صلاح أحمد إبراهيم .. إسحاق الحلنقي، وعمر الدوش..وأبو آمنة حامد، وعبد الله محمد خير وحميد..ومحمد يوسف موسى وغيرهم في قائمة طويلة من المبدعين.
- والمؤلم أن يتكرر هذا السؤال اليوم.. هل يعقل أن يكون كثير مما نشاهده ونسمعه امتداداً حقيقياً لذلك التاريخ؟ وهل يمكن وضع جانب من الغناء الرائج الآن في ميزان واحد مع الإبداع الذي قدم الود.. و..ماريا.. وزاد الشجون.. و..الطير المهاجر ونورة..ونبع الحنان ..وأعز الناس، وغيرها من قلائد الغناء السوداني.
- لقد وقف وراء كثير من أغنياتنا الخالدة شعراء جعلوا من النص تجربة شعرية وثقافية متكاملة.
- كتبوا عن المرأة لم تكن في تلك النصوص مجرد جسد، وإنما كانت صورة وخيالاً ورمزاً وفضاء للتأمل والجمال.
- وكان النص الغنائي قادراً، في كثير من الأحيان، على أن يعيش مستقلاً بوصفه شعراً، قبل أن يأتي اللحن والصوت ليمنحاه حياة جديدة.
- وتقف اغنية (ماريا) لصلاح أحمد إبراهيم وغناء الاستاذ حمد الريح مثالاً لافتاً على هذا الثراء.
- فالنص لا يكتفي بالوصف وإنما يفتح أمام المستمع نوافذ على التاريخ والفن والأسطورة مستدعياً رموزاً من الأساطير الإغريقية مثل (فيدياس وباخوس..يوليوس … بروميثيوس .. زيوس) وهيلين أجمل نساء الأرض عند الإغريق
- كان المستمع يتلقى أغنية، لكنه في الوقت نفسه يتلقى إشارات ثقافية ربما تدفعه إلى السؤال والبحث.. من هو فيدياس؟ وماذا يمثل باخوس؟ وكيف دخلت هذه الأساطير إلى قصيدة غزل سودانية؟
- هنا كانت الأغنية تضيف إلى المتلقي، لا تستهلك انتباهه فقط. .كانت توقظ فضوله، وترتقي بذائقته، وتمنحه مفردات وصوراً وعوالم جديدة.
- وهذا..في تقديري، واحد من أبرز الفوارق بين ذلك الفن وبين جانب كبير مما يملأ المنصات اليوم.
- ففي جزء معتبر من المشهد الراهن تراجعت الكلمة، وضعف اللحن، وتقدمت الإثارة والاستعراض بصورة مؤسفة.
- وبرزت نماذج تعتمد في حضورها على الشكل والحركة والملابس وصناعة الضجة أكثر من اعتمادها على نص غنائي متماسك أو لحن قادر على البقاء.
- وليس المقصود هنا فرض وصاية على أحد، ولا محاكمة النساء أو الرجال بسبب مظهرهم.
- فالقضية، في جوهرها، قضية فنية.. ماذا يبقى من الأغنية عندما يصبح الجسد أهم من الصوت، والحركة أهم من اللحن، والإثارة أهم من النص؟
▪️آخر الكلم ▪️ - الأكثر أسفاً أن بعض المغنين الشباب ركبوا الموجة نفسها، بعد أن اكتشفوا أن صناعة الضجة قد تكون أسرع من صناعة الأغنية، وأن (الترند) قد يفتح في أيام أبواباً ربما لا تفتحها سنوات من التدريب والاجتهاد.
- وهكذا أصبحت المنافسة، في بعض الحالات، على المشاهدات والحضور الرقمي أكثر منها على جودة المنتج وقيمته.
- وقد أسهمت وسائل التواصل الاجتماعي في تكريس هذا الخلل..فالمنصات تكافئ غالباً ما يجذب الانتباه بسرعة، لا ما يستحق البقاء طويلاً.
- وقد ينتشر مقطع قصير ومثير أكثر من أغنية احتاجت شهوراً من الكتابة والتلحين والتدريب، حتى أصبح عدد المشاهدات، عند البعض، معياراً للقيمة، وكأن الانتشار شهادة امتياز دون اعتبار للجودة .
Omeraz1@hotmail.com













