على حافة الضوء
د. عمار برهان
في تاريخ الغناء السوداني أصواتٌ لامعة تتجاوز حدود الأداء إلى تأسيس رؤية فنية كاملة، ويقف فنان الطنبور محمد جبارة في مقدمة هذه الأصوات لأنه استطاع أن يشكل باقتدار عبر أكثر من نصف قرن من الزمان مدرسةً فريدةً لها لغتها في غناء الطنبور وطرائقها في التعامل مع النص، وخصوصيتها في استنطاق هذه الآلة القديمة حتى غدت بين يديه شريكاً في التعبير الوجداني يحمل الحنين والفرح والشجن وأسئلة الإنسان والوطن.
وُلد الفنان محمد جبارة بقرية المقل في منطقة مروي في بيئة يتجاور فيها النيل والنخيل والساقية والصحراء، وتتداخل فيها الأغنية مع تفاصيل الحياة اليومية وحملته الطرق إلى عطبرة المدينة التي منحت تجربته بعداً آخر وهي مدينة العمال والسكك الحديدية والحراك الاجتماعي، وهناك بدأ بالغناء لأعلام سبقوه وفي مقدمتهم النعام آدم وإدريس إبراهيم قبل أن يشق طريقه الخاص، وجاءت أغنية (صدفة سعيدة) من كلمات عبد الرحيم حسن إدريس ضمن خطواته الأولى عبر إذاعة أم درمان، ثم (الشتيل) للشاعر أيوب محمد الحاج لتبدأ ملامح شخصية غنائية في التشكل لتصبح لاحقاً إحدى العلامات الكبرى في تاريخ الطنبور.
ترتكز براعة الفنان محمد جبارة على قدرته الفذة في الجمع بين الأصالة والتطوير من داخل البنية الموسيقية للطنبور، حافظ على نمط الدليب وإيقاع البيئة الشمالية ووسّع في الوقت نفسه المساحة التعبيرية للآلة فكان عزفه جزءاً من هندسة الأغنية عبر مقدمات موسيقية محسوبة وجمل لحنية تستبق النص وتهيئ الحالة النفسية للمستمع ثم صوت ذو نبرة صافية ومميزة يعرف كيف يقتصد في الزخرفة دون أن يفقد الألق ليمنح الكلمة مساحتها، ولهذا يصعب فهم مدرسة محمد جبارة بعيداً عن الشعر فقد أقام علاقات إبداعية مع شعراء كبار بينهم إبراهيم ابن عوف ومحمد سعيد دفع الله، ثم جاءت ثنائيته المهمة مع السر عثمان الطيب ومنها نتجت أعمال خالدة مثل (بحر المودة) و(بت البلد) و(الرتاين الطنابير) و(تراب أهلي) وبعدها بدأت علاقته الإبداعية بالشاعر محمد الحسن سالم حميد فظهرت (حلوة عيونك لما تبسم) ثم جاءت (نورة) لتصبح واحدة من أشهر علامات تجربته، وهنا يتجلى جانب جوهري في مشروعه الفني وهو اختيار النص، كان الفنان محمد جبارة يبحث عن القصيدة التي تحمل الإنسان داخلها، الحب والأم، والأرض والفقر، والغربة والرحيل، والكرامة والوطن، ولهذا استطاعت أغنياته الانتقال من محليتها الجغرافية إلى فضاء سوداني أرحب فالبيئة الشمالية حاضرة في مفرداتها وصورها وإيقاعها، بينما التجربة الإنسانية التي تحملها الكلمات أوسع من حدود المكان، وفي أغنيات الرحيل خصوصاً يبلغ صوته درجة لافتة من الشجن حين يغني عن الطريق والليل والغياب لتتحول مفردات البيئة إلى رموز إنسانية كبرى ويصبح الطريق اغتراباً والظلام قلقاً، والقرية ذاكرةً والوطن حالة وجدانية تسافر مع الإنسان أينما ذهب، ولهذا رافق الفنان محمد جبارة أجيالاً من السودانيين في المنافي وصارت بعض أغنياته جزءاً من الذاكرة السرية للمهاجرين.
ومدرسته الفنية هي أيضاً مدرسة احترام الكلمة الرصينة فالصوت عنده يخدم القصيدة واللحن يكشف طبقاتها والطنبور يمنحها فضاءها الشعوري، هذه العلاقة المتوازنة بين الكلمة والصوت والآلة تفسر بقاء الكثير من أعماله في سجل الخلود إذ يستطيع المستمع العودة إليها بعد عقود فيجد فيها حرارة التجربة الأولى، وقد عبرت أغاني الفنان محمد جبارة حدود السودان منذ وقت مبكر وشارك في جولات خارجية ووصل صوته إلى جمهور أوروبي، كما حضرت أعماله ضمن مشروع (أصوات السودان) الذي أسهم في تعريف جمهور دولي محترم ومقدر بنماذج من الموسيقى السودانية وكان ذلك امتداداً طبيعياً لفنان حمل معه محلية شديدة الخصوصية، واكتشف أن الطريق إلى العالمية يبدأ من أكثر الأماكن التصاقاً بالجذور.
ومع الحرب السودانية الراهنة اكتسبت أغنياته عن الوطن والرحيل معنى أشد مرارة وصار السؤال (يا خالق العباد وين نمشي، من هادي البلاد وين نمشي) قريباً بصورة موجعة من واقع ملايين السودانيين الذين دفعتهم الحرب إلى النزوح والمهاجر، وهكذا تكشف الأغنية القديمة قدرتها على اكتساب حياة جديدة كلما تبدلت الأزمنة والفنان محمد جبارة بهذا المعنى يمثل ذاكرة فنية تمشي بين الناس، في صوته شيء من النيل وفي طنبوره صدى المجالس والقرى والليالي الشمالية وفي اختياراته الشعرية سجلٌ لتحولات الإنسان السوداني خلال عقود طويلة، ومدرسته الفنية جديرة بالدراسة والتوثيق والترجمة، لأن حفظ تجربته يتصل بحفظ فصل كامل من تاريخنا الاجتماعي والجمالي.
وحين يأتي اليوم الذي يستعيد فيه السودان سلامه ستكون أصوات كصوته ضرورية لترميم الوجدان السوداني مثلما ستكون البيوت والطرق ضرورية لإعمار المدن، وسيبقى الفنان محمد جبارة قادراً على أن يرفع طنبوره ويغني (عفارم عفارم، يا شعباً مسالم) فبعض الفنانين يتركون أغنيات جميلة، وبعضهم يتركون وراءهم طريقةً كاملة في رؤية الأرض والإنسان والحياة ومحمد جبارة من أصحاب الطريقة والمدرسة والأثر.
ومن التفاصيل المهمة التي عززت زاوية (المدرسة الفنية) أن (ود جبارة) نفسه تحدث في حوار قديم عن استمداد مقدماته الموسيقية من (الاستماعات الجديدة) ومن مخزونه التراثي، وعن اختياره للنصوص المرتبطة بالإنسان والقيم الإنسانية وهي شهادة ذاتية تفسر بصورة مباشرة توازنه بين التجديد والجذر التراثي.













