مهاد الحروف
مهاد عوض
أحياناً لا يكون الطلاق هو الجرح الأكبر… بل الطريقة التي نختار أن نعيش بها بعده.
قد ينتهي الزواج بورقة، أو بجلسة، أو بكلمة «انتهى كل شيء»، لكن آثار الانفصال لا تنتهي بهذه السرعة. هناك أطفال يستيقظون في اليوم التالي على سؤال لا يعرفون كيف يطرحونه: هل ما زال أبي يحبني؟ هل ما زالت أمي تحبني؟ وهل أنا السبب؟
وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية.
بعض الآباء والأمهات، من شدة الألم أو الغضب، لا ينتبهون أنهم ينقلون معركتهم إلى أطفالهم. كل طرف يحاول أن يثبت أنه المظلوم، وأن الآخر هو المخطئ، فيجد الطفل نفسه مضطراً لأن يحب أحدهما بطريقة لا تؤذي الآخر.
الأب يقول: «أمك حرمتني منكم»، والأم تقول: «أبوك لم يعد يهتم بكم». وقد لا يدرك الاثنان أن الطفل لا يسمع مجرد شكوى، بل يبني داخل نفسه صورة عن والديه، وعن الحب، وعن الأسرة، وربما عن نفسه أيضاً.
والأخطر أن بعض الأبناء يكبرون وهم يحملون مشاعر ليست لهم؛ غضباً ليس غضبهم، وخصومة لم يختاروها، وذكريات كان يمكن أن تكون أكثر رحمة.
لكن هل معنى ذلك أن على المطلقة أن تصمت عن ظلمها؟ أو أن يتحمل الرجل كل شيء حتى لا يخسر أبناءه؟
بالطبع لا.
الانفصال لا يعني إلغاء الألم، ولا يعني أن الطرفين متساويان في الخطأ دائماً. هناك ظلم حقيقي، وهناك زيجات انتهت بسبب أذى لا يمكن تجاهله. لكن حتى في أكثر حالات الطلاق قسوة، يبقى هناك سؤال أخلاقي مهم: كيف نحمي الأطفال من أن يدفعوا ثمن أخطاء الكبار؟
نحن بحاجة إلى تغيير نظرتنا للطلاق. لا نحتاج إلى محاكمة المرأة لأنها أصبحت مطلقة، ولا إلى تصوير الرجل دائماً باعتباره الخاسر أو الجاني. نحتاج إلى وعي يجعل الطلاق، عندما يصبح ضرورة، انفصالاً مسؤولاً لا معركة مفتوحة.
الأبوة ليست حقاً يسقط بالطلاق، والأمومة ليست ورقة تنتهي بانتهاء الزواج. والأبناء ليسوا رسائل متبادلة بين طرفين متخاصمين.
ربما يكون أصعب انتصار بعد الطلاق أن تنتصر على رغبتك في الانتقام.
أن تستطيع أن تقول: «لقد انتهت علاقتي بهذا الإنسان كزوج، لكن علاقتي به كأب أو أم لأبنائي يجب أن تبقى محترمة».
فالطلاق قد يغلق باباً… لكن الطريقة التي نغلق بها الباب هي التي تحدد ما إذا كان الأبناء سيخرجون منه سالمين أم يحملون صوته في داخلهم لسنوات.
وللحديث بقية…













