م. مأمون محمد الطيب عمر
رحلتنا المكوكية بين البيت والسوق.. أربعة قروش للوحش المتأنق ((البص))، لا يضير الطعام أن يتأخر قليلاً.. راجلين نحو السوق.. ونزداد.. كيل.. قرشين..
عمك باشميل يركز طاولته عند باب نادي علم الوطن كل عشية.. ينشر رائحة الطعمية.. سلطة الأسود.. والمتبلات.. تهوى إليه أفئدة.. وتتحلقه بطون.. رفيقي كان زبوناً دائماً..
راجلين نحو السوق.. نزداد.. كيل قرشين.. استبدلت سندويتش باشميل بكنافة حاجة فاطنة.. تعرضها بأناقة عند مدخل نادي النور كل ليلة..
استهواني هدوء حاجة فاطنة ولطفها.. استهواني طعم كنافتها بلون الذهب.. زبونها الدائم.. تبتسم كلما رأتني قادماً، يتهلل وجهها.. ويفرح قلبي..
افتقدتها يوماً.. انتظرت طويلاً.. سألت.. قيل مريضة اليوم.. ساقتني قدماي في طرقات الحي صوب منزلها.. وجدتها غافية.. جلست أنتظر كنافتي الحبيبة.. مال كنافتي ومرضها.. طال انتظاري وغيابي.. بحث الأهل عني في كل الزوايا.. بخوف وهلع خرجوا.. يجلدون الطرقات والزوايا.. دلهم أحد على مكاني..
أصبحت قصة يتندرون بها.. كلما صنعوا كنافة بالبيت..
أشرقت شمس الضحى.. في السماء الصافية.. وهي تعطي من صحا.. تتعالى أصواتنا بالأنشودة.. متناغمةً أحياناً.. متشاكسة أخرى..
أُنعم علينا.. ولجنا عالم المعرفة.. ست أسماء.. قمحية اللون.. قصيرة.. كسى الوجه شلوخ عراض.. وتزينت اليد ببسطونة صغيرة تلوح بها للمشاغبين..
روضة نادي النور الثقافي.. لا علم.. لا يحزنون.. أناشيد.. لعب.. سندوتشات الفطور.. هناك نردد الأناشيد ونحفظها.. نلهو ونلعب مع الأقران بنيناً وبنات..
ابريلا ابريلا.. ابريليلا.. المرسال جاكم..
صفان متقابلان.. يتحركان قرباً وبعداً، مرددين: عاوزين إيه.. فتسمي المجموعة أحد أفراد المجموعة المقابلة.. عاوزين.. فلان أو فلانة. يأتي سؤال الطرف المقابل: بتدونا إيه.. فتسمي المجموعة الطالبة قائمة من الأشياء عربوناً لذلك.. بما أنها لا تكفي عربوناً للمطلوب..
فالمهر يكون (مصر) كلها ليكم.. غسيل أدمغة مبكر في حب الشقيقة (الكبرى)..
مصر يا أخت بلادي يا شقيقة.. هل فعلاً شقيقة..!!؟!!
“ظهور الإسلام”.. فيلم ظهر في ذاك الوقت.
من لا يحب أن يرى ظهوراً للإسلام.. كان فرصتنا مع العائلة.. أول لقاء مع عالم السينما.. سينما ((الخواجة)) قدمت العرض لأيام متتالية.. كان الإقبال كبيراً والزحام.. عمك يوسف خدري.. قيّم البوفيه هناك وجار للأسرة.. حجز الأماكن.. لوج..
مع اشتعال الشاشة الضخمة بالضوء والصور، نسيت غرابة الموقع وفخامته.. انتقلت والجمهور جميعاً عبر الزمان والمكان..
حتى الاستراحة.. وهي راحة لقضاء الحوائج الصغيرة.. وشرب العصائر العجيبة والمأكل الغريبة.. يوسف خدري يديك العافية.. ((من ديك.. وعيك..)).. كما يقولون..
شردة عبر الأزقة وموردة الحطب.. بما تيسر.. في خانة الشعب.. كنب أمامي.. عنتر وعبلة.. العنب المر.. و.. مروراً بديجانغو.. ورينجو.. أفلام الوسترن، ثم أفلام الهنود.. عشق صحبنا زمناً طويلاً..
17 نوفمبر يوم لا يقل جمالاً عن المولد.. نفحنا فيه الجد طقم عسكري كامل.. برتبه.. وسلاحه.. زهوت به أعياد الحلة.. وفسحة في جنائن البلدية.. وكعكاتي..
سألت يوماً: متى عيد نوفمبر يأتي؟.. كان ذلك عام ثورة أكتوبر.. ضحكوا.. لم يجيبوا.
كما شهد نادي النور مولد عملاق.. كالموسيقار محمد الأمين..
أنجبت عشة بت رجب للسودان لعيبة أفذاذ لكرة القدم.. عائلة سانتو.. شاهدناهم بمنزلهم ونحن نشتري لقيمات الصباح من عندها.. من بيتها.. بابكر الكبير.. الفاضل سانتو.. ولعبنا مع الفاتح سانتو نديداً..
أخذت مدني مني أيام الطفولة الباكرة.. أعطتني ذخيرة وتجربة في الحياة.. ثرة.. عشق لها ولمرابعها..
أذن الوالد بالرجوع للقرية.. بلغت السابعة.. ومدرسة التميد الابتدائية.. نقلة كبرى.. والحبل مشدود ظل لود مدني..
كان موعدي السنوي معها كل صيف..
تلك قصص أخرى.. وعمر آخر..













