كمال إدريس
أكثر من ٤٠٠ قبيلة وإثنية تتحدث بقرابة الـ ٦٠ لهجة محلية، هذه هي ثروة السودان الحقيقية الذي يتمدد على مساحة تقارب المليون و886 ألف كيلومتر مربع، فالسودان لم يكن يوماً مجرد بقعة جغرافية، بل كان وما زال لوحةً فسيفسائيةً نادرة، تضم في أحشائها هذا التنوع الذي كان يجب أن يكون مصدر ثراءٍ وقوة، إلا أنه تحول جراء عقودٍ من التشظي السياسي، والحروب الأهلية المتطاولة، وصراع النخب، إلى ألغامٍ موقوتة تهدد الوجود الكياني للبلاد.
إن أخطر ما أفرزته الأزمات والحروب الأخيرة في السودان ليس دمار البنية التحتية فحسب، بل هو ذلك الشرخ العمودي الغائر في النسيج الاجتماعي، وبروز خطاب كراهية واستقطاب قبلي وجهوي حاد، يكاد يطيح بـ “السودانوية” كجامعٍ للهوية، ليحل محلها الولاء الضيق للمكون الإثني على حساب الوطن.
القراءة الفاحصة لدفاتر الأزمة السودانية تكشف كيف تم “تسييس القبيلة” واستخدامها كرافعة للمصالح السياسية الضيقة، مما أدى إلى انهيار “الإدارة الأهلية” في دورها التقليدي الحكيم كصمام أمان، وتحولها في بعض الأحيان إلى طرفٍ في النزاع.
الأرقام المفزعة للنزوح الداخلي، والتي تخطت حاجز الـ ١١ مليون نازح وفقاً لإحصاءات المنظمات الدولية، لم تكن نتاج القصف والعمليات العسكرية ونهب الممتلكات فقط، بل كانت في كثير من مساراتها نتيجة “للفرز على الهوية وإذكاء النعرات الجهوية”. إننا أمام خطر حقيقي يحوّل الوطن من “دولة للمواطنة” إلى “كانتونات جهوية” متناحرة، حيث يرى الفرد أمنه في قبيلته لا في دولة القانون.
رتق هذا النسيج الممزق ومكافحة سرطانات الجهوية يتطلب مشروعاً وطنياً شجاعاً وفورياً، ورجال مؤمنون بقضية الوطن، يبدأ بإطلاق “مؤتمر وطني شامل للمصالحة والعدالة الانتقالية”؛ مشروع لا يكتفي بالترضيات السياسية الفوقية، بل ينزل إلى القواعد المجتمعية، وتقوده الشخصيات الفكرية والدينية المستقلة لرأب الصدع وإعلاء قيم العفو وبناء الثقة.
بالتوازي مع ذلك، يجب صياغة ترسانة قانونية حاسمة تجرّم “خطاب الكراهية” والتمييز القبلي في وسائل الإعلام، ومواقع التواصل الاجتماعي، والمؤسسات العامة، مع فرض عقوبات رادعة على مخالفيها. كما يتعين على المنظومة التعليمية والإعلامية والدرامية السودانية صياغة استراتيجية موحدة تحتفي بالتنوع الثقافي كعنصر فخر وطني، وتُبرز النماذج التاريخية المشتركة التي توحد الوجدان السوداني.
إن قوة السودان في لونه الأسمر المتعدد، وإدراكنا بأن “الوطن يسع الجميع أو يضيع الجميع” هو العتبة الأولى نحو السلام المستدام والنهوض من ركام الحرب.













