حين تتحول العدالة الرياضية إلى سباق مع الزمن
عبد المنعم إبراهيم خضر
في كرة القدم الحديثة، لم تعد الأزمات الكبرى تُصنع داخل المستطيل الأخضر فقط، بل باتت تُدار (أحياناً) في دهاليز الإجراءات، حيث يمكن لخطاب إداري أو تأخير غير مبرر أن يغيّر مسار بطولة كاملة، أو يُفرغ العدالة من مضمونها. ولم يعد الخطأ وحده هو المشكلة، بل توقيته أيضاً.
قضية الهلال مع الاتحاد الإفريقي لكرة القدم (الكاف) تندرج ضمن هذا النوع من الملفات التي لا تحتمل المجاملة، لأنها تمس جوهر اللعبة: النزاهة وتكافؤ الفرص.
وفق المعطيات المتداولة، اللاعب حمزة الموساوي، محل الجدل، ثبتت إيجابية عينة فحص المنشطات الخاصة به، وتم إخطاره رسمياً مع فرض إيقاف مؤقت، وهو ما يعني قانونياً أنه كان خارج نطاق الأهلية للمشاركة. بل إن تنازله عن العينة الثانية (B) يُفهم عادةً في السياق الرياضي باعتباره قرينة قوية على صحة النتيجة الأولى.
ومع ذلك، جرى لاحقاً رفع الإيقاف المؤقت بخطاب إداري، دون وضوح كافٍ للأساس القانوني الذي استند إليه القرار، وهو ما فتح باب التساؤلات حول سلامة الإجراء أكثر من سلامة النتيجة.
هنا تبدأ الإشكالية الحقيقية، ولا تكمن الإشكالية فقط في القرار، بل في ما تلاه.
نادي الهلال، ووفق ما هو معلوم، لم يتأخر في سلوك المسار النظامي، بل تقدّم بشكواه في حينها. لكن المفارقة أن المسار الإجرائي نفسه بدا أبطأ من الحدث الرياضي، وأبطأ من تأثيره، وأبطأ من أن يلحق به.
الهلال سلك المسار النظامي، قدّم شكواه، وانتظر. لكن الانتظار في القضايا الرياضية ليس تفصيلاً إجرائياً، بل عنصر حاسم، فكل يوم تأخير يقرّبنا أكثر من لحظة استحالة الإصلاح، حيث تنتهي المنافسة، وتُغلق فعلياً أبواب المعالجة الرياضية، لتتحول القضية من نزاع على نتيجة إلى مجرد مطالبة بالتعويض. وهذا ما يبدو أنه حدث. فحتى مع الإقرار لاحقاً بوجود خطأ إجرائي، وصدور عقوبة بالإيقاف، يبقى السؤال الأهم: ماذا عن المباراة التي شارك فيها اللاعب؟ وماذا عن أثر ذلك على عدالة المنافسة؟
وحين تتأخر العدالة في السياق الرياضي، فإنها لا تفقد قيمتها القانونية فقط، بل تفقد قدرتها على الإصلاح. فالمباراة تُلعب، والنتيجة تُسجل، والبطولة تمضي، بينما الملفات ما زالت في طابور المداولات.
وحتى مع ما يتم تداوله عن اعتراف لاحق من الكاف بوجود خطأ إجرائي، أو صدور عقوبة لاحقة بحق اللاعب، يبقى السؤال الأكثر إيلاماً: هل يمكن إصلاح أثر مشاركة لاعب غير مؤهل بعد أن انتهت المنافسة أصلاً؟
محكمة التحكيم الرياضية (CAS) لديها مبدأ واضح: حماية استقرار البطولات، وهو مبدأ منطقي، لكنه في حالات كهذه يطرح إشكالية حقيقية: هل نحمي استقرار النتائج، أم عدالة الإجراءات التي أنتجتها؟ وغالباً، وكما تشير السوابق، لن تُعاد كتابة النتائج بعد انتهاء المنافسات، لكن هذا لا يلغي حقيقة أن العدالة، حين تتأخر، قد تفقد جزءاً كبيراً من معناها.
السوابق في محكمة التحكيم الرياضية (CAS) حاضرة وشاهدة في هذا الباب، وإن كانت غير مريحة للبعض: استقرار المنافسات يُقدَّم غالباً على إعادة إنتاج النتائج بعد انتهائها، حتى لو ثبت الخطأ. بمعنى آخر، العدالة الرياضية تميل إلى حماية النهاية، حتى لو شاب البداية خلل جسيم. وهنا جوهر الأزمة.
ليست المشكلة في أن خطأ قد وقع، فذلك وارد في أي منظومة بشرية، المشكلة في أن الزمن، في القضايا الرياضية، قد يتحول إلى طرف غير معلن في النزاع، يحدد من ينتصر ومن يخسر، ليس بناءً على الحجة، بل بناءً على من وصل أولاً ومن تأخر.
قضية الهلال ليست مجرد اعتراض على مشاركة لاعب، بل اختبار صريح لقدرة المنظومة الكروية على التوفيق بين أمرين متناقضين: العدالة السريعة، والاستقرار النهائي.
لكن حين تفشل العدالة في أن تكون سريعة بما يكفي، يصبح الاستقرار نفسه محل سؤال: استقرار على ماذا بالضبط؟
فقضية الهلال تفتح باباً أوسع من مجرد احتجاج نادٍ؛ إنها تساؤل مشروع حول:
هل تكفي صحة القرار إذا جاء متأخراً؟
وهل يمكن لمنظومة رياضية أن تضمن النزاهة دون أن تضمن السرعة؟









