مواقف وسوالف
خالد الضبياني
حين تضيق البلاد بأهلها، وتصبح النجاة حلمًا بعيد المنال، لا يبقى في الواجهة إلا أولئك الذين اختاروا أن يكونوا فرقًا في اللحظة الأصعب. هناك، في قلب أم درمان، حيث يتقاطع الخوف مع الصبر، وقف شيخ الأمين شاهدًا حيًا على أن الإنسانية لا تُهزم، وأن الخير لا يعرف الانكسار.
في زمنٍ حمل كثيرين على الرحيل، اختار هو البقاء. لم يبحث عن طريق نجاةٍ خاص، ولم يساوم على سلامته، بل جعل من وجوده رسالة، ومن بقائه موقفًا. أدرك أن خلف كل باب قصة خوف، وأن بين الأزقة وجوهًا أنهكها القلق، فكان قراره بسيطًا وعظيمًا في آنٍ واحد: أن يكون للناس سندًا حين يتخلّى عنهم كل شيء.
وسط واقعٍ مضطرب، وتحت تهديدات مليشيا الدعم السريع، لم يتراجع خطوة، بل تحوّل إلى ملاذٍ حقيقي، يؤوي المشردين، ويطعم الجائعين، ويسقي العطشى، ويضمد جراح المحتاجين. لم تكن أفعاله ردّة فعل عابرة، بل التزامًا يوميًا، كأنما نذر نفسه ليحمل عن الناس بعضًا من أثقالهم.
ولم يكن شيخ الأمين وحده في هذا الطريق، بل كانت أسرته امتدادًا حيًا لروحه وقيمه. زوجته «أم الفُقَرا» لم تكن مجرد شريكة حياة، بل شريكة رسالة، تقف إلى جانبه لا تعرف الكلل، وتقدّم للمحتاجين بمحبةٍ صادقة، وتخدمهم وكأنها تخدم أهلها. أما ابنته الطبيبة، فقد اختارت أن تكون في الصفوف الأولى للرحمة، تداوي الجرحى، وتعالج المرضى، وتخفف آلامهم بما تملك من علمٍ وقلبٍ إنساني كبير.
ولا ننسى تخصيصه مساحة لرياض الأطفال داخل المسيد، حتى يشغلهم عن الحرب ومآلاتها. هكذا لم يكن العطاء موقفًا فرديًا، بل خُلُق أسرة كاملة تربّت على حب الخير، وتشربت معنى البذل حتى صار جزءًا من تفاصيلها اليومية. وهنا لا ننسى مشاركة أحبائه في هذا الخير. في بيت شيخ الأمين لم يكن المعروف استثناء، بل كان قاعدة، ولم يكن الإحسان فعلًا طارئًا، بل أسلوب حياة.
لم يكن ما يقدمه مجرد خدمات، بل كان حياةً تُبعث من جديد. الدواء الذي وفره لم يكن علاجًا للجسد فقط، بل طمأنينةً تسري في الأرواح. والطعام الذي وزّعه لم يكن لسد الجوع وحده، بل لإعادة الكرامة إلى موضعها. أما الماء، فكان أبسط وأعمق رسائله: أن الحياة، رغم كل شيء، ما زالت ممكنة.
والأجمل من ذلك كله أنه لم ينتظر شكرًا، ولم يسعَ لثناء. كان يعمل بصمتٍ يليق بمن يرى العطاء عبادة لا تحتاج إلى ضجيج. في زمنٍ ارتفعت فيه الأصوات، اختار أن يكون فعله هو الأعلى. وفي وقتٍ تراجع فيه كثيرون، تقدّم بثباتٍ يليق بأبناء أم درمان.
شيخ الأمين لم يكن مجرد رجلٍ يقدم المساعدة، بل كان حالة إنسانية متكاملة. حضوره كان يبدد الخوف، وكلمته تبعث الطمأنينة، وفعله يزرع الأمل في قلوبٍ أنهكتها الأيام. ضحّى براحته وأمنه، وربما بحياته نفسها، لكنه كسب ما هو أبقى: أن يُذكر بالخير، وأن يكون اسمه ملاذًا في ذاكرة الناس.
وبإذن الله، نحن على موعدٍ لتسجيل عدد من الحلقات مع شيخ الأمين، لنسمع ونرى كيف كان ينجز ذلك.









