داليا الأسد
الروح مشحتفة حقيقةً للبلد، ولا شيء ينير لي أزقة الغربة وشوارع المنفى، حتى تلك المصابيح تبدو لي ثقوبًا سوداء. اشتقت لك يا وطني، لأنك حناني ودفئي، وإن كنت تسكن في أحشائي، أشتاق لأشجاره، لأرضه، لسمائه، أشتاق لطفولتي المتناثرة، أشتاق لبساطة ناسه وابتسامتهم وطيبتهم رغم قساوة الظروف، أشتاق لأحلامي التي خُلقت على ثراه. تقتلني الذكريات، وتغتال واقعي كل تلك اللحظات التي تمر كحلم جميل.
أشتاق لوطني، لرائحة بيتنا العتيق، لملِّ ما تبعثر مني في جدرانه الرطبة، لصوت ضحكات الأطفال وسط تلك المدينة المتآكلة، لخفقات قلبي وثباته. أشتاق لأخيط جروحي بإبرة الصبر، فما إن يبرأ جرح حتى يتفتق جرح آخر. فوطني، من لي بغيرك عشقًا فأعشقه؟ ولمن أتغنى؟ ومن لي بغيرك شوقًا فأشتاق له؟
وطني، غادرتك يومًا بلا وداع، ما كنت أعلم أن طريق الغربة بلا عودة، ولم أدرك أن غيابي سيطول كثيرًا. اشتقت لك كثيرًا، أشتاق لأتنفس هواءك. ربما أعود، أو ربما يقتلني الاشتياق وتبتلعني الغربة، لأني تركتك متألمًا لنسيان ما جرى، لكنني لم أنسَ الأماكن، ولم تتغير الذكريات.
كم اشتقت لك، فأنت تسكن في كل قطرة من دمي، أنت الوجود، أنت العشق، أنت الحب. كم أعشقك، كم أحبك. وطننا ذاك الذي إن غبنا عنه لا يرحل عنا شامخًا. فأنا أشتاق لوطني شوقًا، تحت ظل سمائه يحمينا، وتلم بالراية شملنا، علمه يرفرف أمد السنين. ترعرعنا وعشنا فيه كرامًا بقلوبنا، تتقاتل الدموع لهفةً عليه من الحنين، وتتألم وجعًا.
أشتاق لوطني، لمدينتي، لأهلي، للأرض التي احتضنت ذكرياتنا وماضينا وأحلامنا اليتيمة. وطني الذي يسكنني وأسكنه، لقد تركت بلادي مغصوبة، وأنا في بعدي مغلوبة. اعذرني يا وطني، وإن طال البعاد وتأخرت، لكنني سأعود، سأعود وكلي حنين، أعود لدار الأحبة والقلب عيد، وصوتي يعانق كل هتاف، وليس لبحر اشتياقي حدود.
وطني عشقي الأبدي، أرى أوجاعي وأوهامي وعبرتي وأحلامي. أشتاق لوطني، وأرى دموعه تنزف كمن تاه في طرق الظلمات. أشتاق للون الغالي، وأنا فيه، لأمشي على ترابه وأتنفس هواه، فهو في عيني أجمل بقعة في العالم، هو الشموخ، هو العزة، هو في فؤادي. حفظه الله، ورد كيد الحساد إلى نحورهم وكل من يكيد.
كم أشتاق لزيارة بورتسودان وكسلا، حيث النسائم المتعطرة، ورائحة القاش والسواقي والدعاش، والبحر المديد. ليست الغربة مغادرة الوطن، بل هي مغادرة أوطان صغيرة في حياتنا، كقلوب من نحب.
في الغربة فقط تعرف معنى حب تراب الوطن بكل ما فيه من حلوه ومره، وفي الغربة فقط تعرف قيمة وحلاوة الجمعة العائلية. فطيوري عائدة بإذن الله إلى أوطانها، مشتاق لأرضها والأصحاب والأحباب والأهل والعشق العنيد.
يا حليلك يا بلدنا!.. الفيـك ربّونا واتولدنا
يا كريم يا الله حلحل لي وثاقي!.. أصلي مشتاق.. أصلي غرقان في اشتياقي
لي نخيلنا.. ولي جروفنا وللسواقي.. لي صديرياتنا.. لي لبس الطواقي
يا حليلك يا بلدنا.









