مشاركة
أحمد حسن حيمورة
تعجبني كلمة (فَشَّ)، التي تعني غسل الثوب لأول مرة بعد شرائه من السوق. فرغم أن ثقافة فش الثوب قبل لبسه كانت سائدة في فترة من الفترات، إلا أنها كُسرت في وقت من الأوقات من قبل بعض المترفات والمترفين. فسمعنا عن سودانيات في فترة السبعينيات كن يدفعن مبالغ طائلة، ويشترطن على أشهر مصانع الثياب اللندنية – عبد الصمد مثالاً – أن تكون الموضة الجديدة لبعض الثياب حكراً لهن لفترة، ولا تُباع لغيرهن، حتى يلبسنها غير مفشوشة، وحتى يقضين منها وطراً. ويُقال إن بعض مطربينا، مثل ترباس والقلع، يلبسون العِمّة (التوتال) مباشرة، ولا يعيدون لبسها إذا تم (فشها). وفي مرة أوقفني صديق ونحن في طريقنا لاجتماع مع بعض المسؤولين، وطلب مني أن أعيد لف عمامتي آمراً: “انفش العِمّة يا زول”، ولأن عمامتي لم تكن جديدة فقد تعذر نفشها لتأكيد حضوري.
ومثلما اشتهر أعضاء الاتحاد الاشتراكي في الحقبة المايوية بالبدلة ذات اللمعة، والألوان غير المعرّفة، والتي سميت بالبدلة الاشتراكية؛ اشتهر أعضاء المؤتمر الوطني في حقبة الإنقاذ بالعمم المطرزة والجلاليب الناصعة، التي برع في حياكتها بعض خياطي اللبس البلدي، الأسطوات المجودين للعراوي والعمود اليدوي بما يسمى عندهم بالتفصيل (الوصاية)، قبل أن يحتكر خياطتها بعض الباكستانيين والأتراك، ليصبحوا ترزية المؤتمر بحق وحقيق، مجودين وحافظين لمقاسات كبار المسؤولين.
وقد أصبح عرفاً أن العباءة المتممة للزي السوداني تكون حكراً على الرؤساء، لا يلبسها معهم أحد في نفس القاعة، وأن نصاعة الجلاليب والعمم تتناقص كلما بعد الشخص عن المنصة الرئيسية. فبعد الصف الخامس، وفي الصفوف الخلفية الخاصة بالهتيفة، تختفي العمم وتكثر الصديريات التي نزحت من شرقنا وبدأت في الانتشار، واشتهرت بها بعض الشخصيات مثل شاعرنا القدال، الذي أصبحت صديريته الزرقاء صرعة لبعض الشباب، وكانت إحدى ظواهر مهرجان تأبينه، عليه الرحمة.
لكن الغريب أن جلابية الختمية التي ألبسنا لها أجدادنا – الخلفاء – عند الصغر لم تنتشر بين الشباب، بينما سادت لبسة (العلى الله) الأنصارية، وتفنن الشباب في زخرفتها وتلوينها، وابتكار عِمّة صغيرة ذات عزبة خصيصاً لها.
أما البدل الكاملة فهي موضوع آخر، لأن كثيراً من السودانيين – رضوا أم أبوا – وخصوصاً الساسة والوزراء وحتى الرؤساء، لا تُجيد عليهم البدل، ولا تنطبق عليهم (garment rules). ولعل أحد الأسباب هو التكوينات الجسمانية لتلك الفئات، والبروزات والنتوءات الأمامية والخلفية، التي يتعذر معها تواؤم البدلة الجاهزة مع تلك التكوينات. ومن الأسباب الأساسية أيضاً ندرة، أو قل اختفاء، ترزية البدل الذين كانوا يعنون بأخذ المقاسات بما يحقق تطابق تلك البدل مع تكوينات الأجسام، إضافة إلى أسباب أخرى، منها الإهمال في اختيار ياقات القمصان ونوعية ربطات العنق، وعدم الاهتمام بتناسق الألوان ولا بالأناقة بشكل عام. ولن نغالط ماما أميرة حينما لم تعجبها اللبسات العسكرية عند بعض كبار الضباط، فقارنت بينها وبين الزي العسكري عند نميري وسوار الدهب، مختتمة إعجابها بالأخيرين بتعبير: (ووب عليّ).
من جهة أخرى، لا بد من الإشارة إلى أن مطربي الزمن الماضي كانوا أحسن هنداماً من الساسة ومن مطربي الزمن الحالي، وكانوا أكثر اهتماماً بالأناقة وأكثر التزاماً بموضات زمانهم.
إن سألت عن علاقة هذا المقال بالذكاء الاصطناعي، الذي نتحدث عنه في مقام اللبس والسماحة، فهذا ما سنستعرضه لاحقاً… فإلى لقاء.









