صلاح محمد عبد الدائم (شكوكو)
▪️ بينما كنت أستقلُّ إحدى وسائل المواصلات العامة في مدينة القاهرة، تلك المدينة الصاخبة التي لا تهدأ، وتحديدًا بين “العجوزة” و”التحرير”، لفت انتباهي مشهدٌ بات يتكرر حتى صار هو الأصل.
▪️ شاهدتُ أغلب الشباب عاكفين ومنكبين على شاشات هواتفهم المحمولة، وغاب ذلك المشهد الذي كنا نشهده، والذي كان مألوفًا منذ سنوات خلت، حين كان بعض الشباب يقرأون القرآن من مصاحفهم؛ فقد اختُزل كل شيء داخل ذلك الجهاز الصغير.
▪️ المشهد الذي أمامي يتكرر كل يوم.. أصابع الشباب تقلب شاشة الهاتف بسرعة عجيبة، لا يستقرون على شيء، ولا يمنحون المحتوى فرصةً للتأمل.
▪️ ربما تلمح ضحكةً سريعة أو ابتسامةً باهتة على فيديو قصير لا تتعدى مدته 12 ثانية، ثم تتبعها “سحبة” سريعة للشاشة نحو الأعلى بحثًا عن المجهول التالي.
▪️ إنه جيل “الزبدة” أو المعلومة السريعة والجاهزة.
▪️ صادف أن كان يجلس بجواري “محمد”، وهو طالب في السنة الثانية بجامعة عين شمس، ولعله شاهد خلال الرحلة ما يربو على 47 مقطع فيديو!
▪️ سألته عن آخر كتاب كامل قرأه، فأجاب ضاحكًا بلهجةٍ غلب عليها الضجر:
“والله يا أستاذ… أبدأ في الصفحة الثالثة فأشعر بالملل؛ أريد (الزبدة) بسرعة!.. فأنا أفتح (تيك توك) فأجد ملخص الرواية كلها في دقيقة، وحتى المقررات الدراسية أصبحت مذكرات مختصرة”.
▪️ محمد ليس حالة فردية، بل هو وجهٌ لما يسميه خبراء التربية “جيل التيك توك”؛ جيلٌ نشأ على الجرعة المعلوماتية المكثفة والسريعة، واعتاد على إيقاع رقمي لا يرحم، حتى صار متوسط تركيز الفرد منهم لا يتعدى 8 ثوانٍ فقط، وهي مدة أقل من تركيز “السمكة الذهبية”.
▪️ أطلال الكتب على أرفف المكتبات باتت حزينة، بل صارت قديمة؛ فها هو “عم أحمد”، بائع الكتب المخضرم منذ 30 عامًا، يمسح الغبار عن إحدى روايات نجيب محفوظ ويقول بحسرة:
“زمان كان الشاب يوفر من مصروفه ليشتري كتابًا، أما الآن فيدخل ليسألني: هل عندك ملخص لهذا الكتاب؟ وحبذا لو كان متوفرًا على الموبايل!”
وهنا يثور السؤال: هل قتلت الـ15 ثانية متعة الغرق في آتون كتاب من 300 صفحة؟ وهل المطلوب منا أن نجرَّ هذا الجيل جرًّا ليعود إلى الكتاب الورقي، أم أن على الكتاب نفسه أن يتعلم لغة “التيك توك” قبل أن يندثر؟
▪️ أرقام مخيفة تدق ناقوس الخطر.. فالمشكلة ليست مجرد إحساس عابر، بل أزمة ترسم ملامحها الأرقام الصادمة، إذ كشفت دراسات عالمية أن 71% من الشباب (بين 15 و25 عامًا) لا يستطيعون مشاهدة فيديو تعليمي يتجاوز 3 دقائق دون الشعور بالملل، كما انخفضت القدرة على تلخيص فصل كامل من كتاب بنسبة 40% لدى طلاب الجامعات مقارنة بعام 2015.
▪️ كما شهدت مكتبات “وسط البلد” بالقاهرة تراجعًا في مبيعات الروايات للفئة العمرية الشابة بنسبة 35% خلال ثلاث سنوات، وأصبح أصحاب المكتبات يطلبون نسخًا محدودة جدًا من الإصدارات الجديدة.
▪️ والمفارقة المذهلة أن متوسط استهلاك الفرد للفيديوهات القصيرة يصل إلى 110 دقائق يوميًا؛ فلو استُبدلت هذه الدقائق بالقراءة، لاكتشفنا أن الشاب العربي يقضي وقتًا يكفي لإنهاء 13 رواية (من فئة 300 صفحة) شهريًا، لكنه يقضيها في “تقليب” الشاشة فقط!
▪️ نحن لا نواجه مجرد إعاقات ذهنية فردية، بل أمام تحول جماعي في طريقة عمل الدماغ البشري؛ السؤال لم يعد “هل نقرأ أقل؟”، بل أصبح: “هل ما زلنا قادرين على القراءة أصلًا؟”
▪️ إن الأمر لم يعد يقتصر على الشباب في مصر فحسب، بل صار ظاهرة عالمية أصابت جيلًا بأكمله، خاصة مع تغلغل الذكاء الاصطناعي في أدق تفاصيل حياتنا، مما ينذر بتغيرات جذرية في البنية السلوكية والفكرية. لذا فإننا نخشى أن ينتهي “نهم المعرفة” تحت ستار “الاستسهال” والمحتوى المعلّب.
▪️ لقد آن الأوان لعقد مؤتمرات إنسانية كبرى تناقش هذه المستجدات التي اقتحمت حياتنا دون استئذان، فالمخافة كل المخافة أن نفيق يومًا لنكتشف أننا أصبحنا كائنات أخرى غير التي كنا عليها.









