رغم الثورة الرقمية.. البرنامج يحافظ على بريقه وجماهيريته
مؤسسة وطنية عززت الوعي الرياضي والمتابعة اليومية
من الترانزستور إلى البث الحديث.. حضور راسخ في ذاكرة الأجيال
برنامج تجاوز حدود الإذاعة ليصبح جزءاً من الحياة السودانية اليومية
صلاح محمد عبد الدائم (شكوكو)
الرسالة الإعلامية هي ذلك المحتوى المنظم والمصاغ ــ لفظياً أو مرئياً أو مسموعاً ــ والذي ينقله المرسل عبر وسيلة إعلامية إلى الجمهور المستهدف، بهدف الإخبار أو الإقناع أو التثقيف أو التأثير في السلوك والاتجاهات.
وتشكل الرسائل الإعلامية حجر الزاوية في بناء الرأي العام، وتشمل الأخبار والمقالات والتقارير والإعلانات، كما تعتمد على عناصر ومكونات متعددة، من بينها المضمون القائم على الأفكار والحجج المنطقية المبنية على الأدلة، وتهدف في جوهرها إلى إحداث تأثير معرفي أو وجداني أو سلوكي.
وتكمن عوامل نجاح الرسالة الإعلامية في درجة التناغم مع نبض الجمهور وفهم احتياجاته كمتلقٍ، إلى جانب قدرتها على جذب المستهدفين من خلال استخدام رموز بصرية ومسموعة مبتكرة، فضلاً عن ضرورة تمتعها بمصداقية عالية تقوم على تقديم الحقائق الدقيقة والالتزام بالأخلاقيات المهنية.
وبرنامج عالم الرياضة، الذي تقدمه الإذاعة السودانية، يُعد واحداً من أكثر البرامج تأثيراً في وجدان السودانيين، ليس فقط لأن كرة القدم تمثل الرياضة الأكثر شعبية في السودان، بل لأن البرنامج جاء بتوقيت مثالي، وامتلك طريقة تصويرية وصورة ذهنية راسخة جعلته قريباً من الناس على امتداد الأجيال.
ومنذ انطلاقته عبر أثير الإذاعة السودانية، نجح البرنامج في أن يصبح «الوكالة الإخبارية» الأولى والوحيدة التي يثق بها السودانيون قبل عصر الفضائيات والإنترنت، حيث ظل المصدر الأبرز للأخبار الرياضية والتحليلات والمتابعات الميدانية.
وظل البرنامج صامداً في الخارطة البرامجية حتى يومنا هذا، متحدياً كل التحولات والتأثيرات، ليصبح البرنامج الذي تُضبط عليه برمجة الإذاعة السودانية بأكملها، بتصميم الراحل سيد عبد الكريم، مستفيداً من حيوية البث الحي وتفاعله المباشر مع الجمهور.
وما يزال البرنامج حياً ونابضاً حتى في ظل الثورة الرقمية، بفضل مصداقيته وعراقته وميكروفونه الصاخب وملامسته لوجدان الناس، وها هو اليوم يُبث من إذاعة دنقلا في ظل الحرب التي تمر بها البلاد.
وتميّز البرنامج بأسلوب خاص جمع بين الرصانة الإخبارية والسرد التحليلي والحماس الرياضي والهتاف والإثارة، مع تنوع الأصوات المتداخلة التي شكّلت ملامحه المميزة عبر العقود.
كما ارتبطت أصوات عدد من المذيعين بذاكرة السودانيين الرياضية، وأصبحت جزءاً من وجدانهم اليومي، بينما ظلت مقدمة البرنامج تمثل مزيجاً بين صوت قادم من التاريخ وتصويبة مباشرة نحو المرمى.
أما الموسيقى الافتتاحية، فقد كانت بمثابة «صافرة البداية» ليوم رياضي حافل، تثير الحماس في نفوس المستمعين بمجرد انطلاقها.
وتميّز البرنامج كذلك بالتغطية الشاملة، إذ لم يكتفِ بأخبار القمة وفرق الدرجة الأولى، بل ظل صوتاً لكل أندية الأقاليم وروابط الناشئين والمناشط الأخرى، واستوعب جهود فضل أبو عاصم، مما خلق صلة رحم رياضية بين العاصمة وبقية مدن السودان المختلفة.
وتجاوز تأثير البرنامج دوره الإعلامي التقليدي كناقل للنتائج والأخبار، ليصبح عنصراً مؤثراً في توحيد الوجدان القومي وصناعة طقس يومي للاجتماع الأسري داخل البيوت السودانية.
ففي لحظات الانتصارات الوطنية، كان البرنامج منصة لتعزيز الشعور بالفخر والانتماء، وفي لحظات الإخفاق، كان مساحة حية للنقد البناء والتحليل الرصين.
وكلما حضرت إلى الذاكرة ثقافة «الراديو الترانزستور»، ارتبط ذلك الشعور مباشرة ببرنامج «عالم الرياضة»، حين كان السودانيون يحملون أجهزة الراديو الصغيرة ويتوزعون في الحواشات والأسواق والمحال التجارية وحتى داخل المدرجات، لمتابعة الوصف الفني للمباريات لحظة بلحظة.
ولقد ساهم البرنامج في حركة التوثيق الرياضي لسنوات طويلة، إذ شكلت مكتبة «عالم الرياضة» المرجع الأهم لتاريخ الرياضة السودانية، كما حفظت سيرة العمالقة من اللاعبين والمدربين والإداريين.
ورغم انتشار القنوات الفضائية وتطبيقات التواصل الاجتماعي والإذاعات المتخصصة، حافظ «عالم الرياضة» على بريقه وجاذبيته، ولعل السر في ذلك يكمن في تلك الحميمية والتفاعلية التي ظل يتميز بها، حيث ما تزال الأذن السودانية تطرب لصوت المذيع وهو يحلل التكتيكات وأساليب اللعب بأسلوب سوداني خالص، بعيد عن التكلف وقريب من نبض الشارع ومفرداته.
إن عالم الرياضة ليس مجرد برنامج إذاعي عابر، بل مؤسسة وطنية وجزء أصيل من الوجدان السوداني. وعلى مدار عقود طويلة، ظل هذا البرنامج الرابط الأقوى بين الجماهير والميادين، متجاوزاً حدود الجغرافيا ليصل إلى القرى والبوادي والحضر.
وسيظل «عالم الرياضة» شاهداً على العصور الذهبية للرياضة السودانية، كما سيبقى ميكروفونه شاهداً على تقلبات الكرة السودانية ومواهب أفذاذها.
إنه إرث وطني يستحق الاحتفاء، لأنه علّم السودانيين أن الرياضة ليست مجرد فوز وخسارة، بل ثقافة وانتماء وتفاعل إنساني عميق.
ومن أكثر الأصوات التي علقت بأذهان المتابعين: عبد الرحمن عبد الرسول، الرشيد بدوي عبيد، صلاح أحمد علي، سيف الدين الخندقاوي، عبودي إبراهيم، عثمان حسن مكي، معتز الهادي، إقبال الحاج، ريم عبدالجليل، مصطفى البشير، الرشيد عباس، ويوسف محمد يوسف، إلى جانب أسماء أخرى أسهمت في صناعة مجد البرنامج وترسيخ مكانته في ذاكرة الأجيال.













