حسن أحمد حسن
في الصميم
لماذا لزم نبيّ الله يعقوب عليه السلام الصمت حين عاد أبناؤه إليه بقميص يوسف عليه السلام ملوثًا بـ«دمٍ كذب»؟!
ولماذا لم يصرخ، ولم يذهب يبحث، ولم يُجبر أبناءه على الاعتراف؟!
الدكتور زغلول النجار يقول:
كنت أتساءل كثيرًا عن هذا الموقف، حتى أدركت أن وراء هذا الصبر سرًّا من أسرار الإيمان… يعقوب عليه السلام رأى بعين قلبه ما لم يره الناس، فعلم أن وراء المكيدة حكمةً إلهيةً خفية…
قال بثقة المؤمن:
{بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا ۖ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ۖ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ}.
سنوات طويلة مرّت…
ولم يتغيّر يقينه، ولم يبدّل قوله. وحين عاد أبناؤه مرةً أخرى وقد فُقد أخوان، كرّر نفس الكلمة بنفس الطمأنينة!
{بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا ۖ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ}.
كتم حزنه في صدره، وانزوى عنهم قائلاً:
{يَا أَسَفَىٰ عَلَىٰ يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ}.
لكنه لم يشكُ لأحد… بل قالها بثقة ورضا:
{إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ}.
لم يكن الصبر ضعفًا… بل طاعةً لأمرٍ ربّانيٍّ أُوحي إليه منذ البداية، يعلم أن وراء الغيب وعدًا سيتحقق، وأن لحظة الفرج ستأتي لا محالة.
{عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا}.
وفي النهاية تحقق الوعد…
عاد البصر إلى يعقوب، وعاد يوسف إلى أبيه، وارتفعت الغمّة، وسجد الإخوة بين يديه باكين نادمين.
فلم ينتقم يوسف، ولم يُعاتب، بل قال بتواضع العارفين:
{مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي}.
{إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاء}.
وفي ختام الرحلة قال يوسف في خضوعٍ تامّ:
{أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۖ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ}.
أدركتُ بعدها – يقول الدكتور زغلول النجار – أن الأنبياء هم أشدّ الناس بلاءً، وأن الله يبتلي أحبّ خلقه ليطهّر قلوبهم ويرفعهم درجات، وأن الفرج لا يأتي إلا بعد أن يبلغ الصبر منتهاه:
{حَتَّىٰ إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا}.
فاصبر… فبعد كل ألمٍ فرج، وبعد كل دمعةٍ ضحكة، وبعد كل غيابٍ لقاء.
هذا وعد ربّك… ووعد الله حقّ.
{وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ}.
العبرة من القصة:
كثير من الأسر السودانية قد عادت من النزوح الخارجي، ولكنها عادت مكسورة الجناح، فمنهم من فقد أولاده موتاً أو غياباً، ومنهم من فقد داره ودياره وجاره، ومنهم من فقد ماله.. كثير من القصص والحكاوي التي كانت في يوم من الأيام تُقال بأنها من نسيج الخيال، فأصبحت على أرض الواقع تُروى وتُحكى.
لذا نقول: اللهم ألزم الناس الصبر.









