بوح الحبر
د. الحبر عبد الوهاب
.. شرق (حجر العسل) هذه ارتقى صديقي العميد عبد العزيز محمد الخليل شهيداً بإذن ربه، مدافعاً عن أرض يشبهها وتشبهه. هنا جالد أصدقائي غزاة جاؤوا من خلف جبل العوينات. . ورأيت على يسار الطريق مدرسة (وادي العروس) التي نجت من الدمار واكتست باللون الأخضر ، لون الحياة والأمل. ثم جئنا إلى (البكاش) حيث كان الغزاة يعيثون فسادا في الأرض.
ولاح لي من بعيد جبل (قري) الذي حرٌفه الرواة إلى جبل (جاري)، لا لشيء إلا لأن الإنجليز فترة حكمهم للبلد سمٌوا محطة السكة الحديد شرق الجبال محطة (Garri) . فقرأها النارس خطأ (جاري) فأصبح اسمًا شائعا.
عند بدء جبل قري ناحية الغرب تطاول جبل الرويان الذي يطوقه النيل عند الفيضان. جبل يعيدني إلى طفولتي حين أراه ، والآن تكاد رؤيته تبكيني كما أبكت رؤية جبل التوباد مجنون ليلى، إذ يقول:
وأجهشت للتوباد حين رأيته…
وهلل للرحمن حين رآني
خمس سنوات لم أر فيها (الرويان)، لكنني جئته زاحفاً الآن من بورتسودان، محمر العينين، أشعث، أغبر، (مدبرس)، أردد قول شوقي:
ويا وطني لقيتك بعد يأس..
كأني قد لقيت بك الشبابا
وجئنا ظهراً إلى مصفاة (قري) التي ابتلعت محطة الرويان ومعها عمال (الدريسة)، والتي سمٌاها المتنفذون ظلما مصفاة الخرطوم، وأحيانا مصفاة الجيلي مع علمهم أن بينها وبين الجيلي حوالي ٢٠ كيلومتراً.. المصفى (وهو اسم مكان يشمل منطقة المصفاة التي هي اسم آلة) ، وحوله، تتبدى آثار الحرب في أبشع صورها:
توقفت المصفاة عن تكرير النفط بعد أن احترق قلبها وخزاناتها وخمدت شعلتها التي كانت تناجي السماء!
عشرات السيارات (المشلحة) التي نهبها الشفشافة من المواطنين تكدٌست على جانبي طريق التحدي مفرغة الأحشاء، (تلصف) بيضاء في ضوء الشمس كأنها الأسماك المصيدة في ميناء فيجو بإسبانيا!
سوق المصفاة أصبح أثراً بعد عين. (تناكر) الوقود وتاتشرات المتمردين رقدت على جنوبها سوداء مشوهة الملامح تحكي عنف المواجهة!
المباني القليلة شرق الطريق هدٌت أطرافها الدوشكات وبقيت على جدرانها ثقوب القذائف فتحات في شرايين الوطن النازف دموعًا ودما!
وتوقٌفت (الشريحة) بعيد المصفاة وترجٌلت منها وترجٌل معي رفاق الرحلة كلهم، وودعوني عناقاً ثم عادوا إلى مقاعدهم وانطلقت بهم السيارة تريد الخرطوم، ووقفت (مكندكًا) أنظر بعجب إلى الطريق الضيق الذي أوصلني من بور تسودان إلى حيث الرويان في ٢٤ ساعة أو تزيد!.













