وصال ابوزينب
منذ اندلاع الحرب في السودان، وجد ملايين السودانيين أنفسهم أمام واقع لم يختاروه. أسرٌ تركت منازلها، وطلاب غادروا مدارسهم وجامعاتهم، وأصحاب أعمال بدأوا حياتهم من الصفر في دول ومدن جديدة. وخلال فترة قصيرة انتشر السودانيون في عشرات الدول حول العالم بصورة ربما لم يشهدها تاريخ السودان الحديث من قبل.
هذا الانتشار الكبير جعل من كل سوداني سفيرا لوطنه، حتى وإن لم يحمل صفة رسمية أو جوازا دبلوماسيا. فاليوم، كثير من الناس حول العالم يتعرفون على السودان لأول مرة من خلال تعاملهم مع سوداني واحد في متجر، أو شركة، أو جامعة، أو مدرسة، أو حي سكني.
ولسنوات طويلة، ارتبط اسم السوداني في الخارج بصفات جميلة يعرفها الجميع؛ الكرم، والأمانة، والاحترام، والتسامح، وحسن المعاملة، وحب الخير للآخرين. كانت هذه الصفات رأس مال حقيقي حمله السوداني معه أينما ذهب،
لكن من المهم أن نعترف أيضا بأن الحروب لا تدمر المباني فقط، بل تترك آثارا نفسية واجتماعية واقتصادية على الناس. فبعض من خرجوا من الحرب خرجوا وهم يحملون ضغوطا هائلة، وخسائر مؤلمة، وظروفا معيشية قاسية. وفي مثل هذه الظروف قد تظهر بعض التصرفات السلبية من أفراد هنا أو هناك، سواء في التعامل أو السلوك أو احترام الأنظمة أو العلاقات الاجتماعية.
غير أن الإنصاف يقتضي أن نقول إن هذه التصرفات لا تمثل السودانيين جميعا، كما أن أخطاء أفراد معدودين لا يمكن أن تلغي تاريخا طويلا من القيم والأخلاق التي عُرف بها الشعب السوداني. المشكلة أن الخطأ غالبا يكون أكثر ضجيجا من الصواب. فخبر سلبي واحد قد ينتشر بين آلاف الناس، بينما تمر مئات المواقف الإنسانية النبيلة دون أن يسمع بها أحد.
ولو تأملنا الواقع لوجدنا أن الصورة الحقيقية ما زالت مشرقة. فكم من طبيب سوداني يخدم مجتمعه بإخلاص، وكم من معلم يربي الأجيال، وكم من شاب أو فتاة بدأوا حياتهم من جديد بكل اجتهاد واحترام، وكم من أسر سودانية أصبحت نموذجا للتعاون والتكافل داخل المجتمعات التي استقرت فيها.
إن مسؤوليتنا اليوم أكبر من أي وقت مضى. فكل كلمة نقولها، وكل تصرف نقوم به، وكل تعامل نخوضه مع الآخرين، ينعكس بصورة مباشرة على صورة السودان والسودانيين. ليس المطلوب أن نكون كاملين، فالكمال لله وحده، ولكن المطلوب أن نحافظ على الإرث الجميل الذي تركته أجيال من السودانيين قبلنا.
لقد أجبرتنا الحرب على مغادرة أماكن كثيرة، لكنها لا يجب أن تجبرنا على مغادرة قيمنا وأخلاقنا. فالوطن ليس الأرض فقط، بل هو أيضاً السلوك الذي نحمله معنا أينما ذهبنا. وإذا كانت الحرب قد فرقت السودانيين جغرافيا في أنحاء العالم، فلتكن الأخلاق والقيم هي الشيء الذي يجمعهم ويعرف الناس بهم.
ففي النهاية، قد ينسى الناس أسماءنا، وقد لا يعرفون تفاصيل قصصنا، لكنهم سيتذكرون دائما كيف تعاملنا معهم، وكيف مثلنا وطننا. ولذلك يبقى كل سوداني في الخارج سفيرا لوطنه، ومسؤولا عن جزء من الصورة التي يراها العالم عن السودان.
والحقيقة التي لا يجب أن ننساها أبدا أن الشعوب لا تُقاس بأخطاء بعض أفرادها، بل تُقاس بغالبها، وغالب السودانيين ما زالوا يحملون في قلوبهم تلك القيم الجميلة التي جعلت اسم السودان محل احترام وتقدير.













