عَلَى حَافَّةِ الضَّوءِ
د. عمار برهان
ثَمَّةَ أَسئِلَةٌ لا تُطرَحُ بَحثًا عَن إِجَابَةٍ مُبَاشِرَةٍ، بَل حِفَاظًا عَلَى يَقَظَةِ الرُّوحِ، وَأَسئِلَةٌ أُخرَى تَظَلُّ تُرَافِقُ الإِنسَانَ فِي رِحلَتِهِ الطَّوِيلَةِ عَبرَ الزَّمَنِ، كُلَّمَا ظَنَّ أَنَّهُ بَلَغَ شَاطِئَ المَعرِفَةِ اكتَشَفَ أَنَّ أَمَامَهُ بِحَارًا أُخرَى لَم يُبحِر فِيهَا بَعدُ، وَمِن هَذِهِ المَسَافَةِ الفَاصِلَةِ بَينَ مَا نَعرِفُهُ وَمَا نَجهَلُهُ، وَمِن هَذَا الحَدِّ الفَاصِلِ بَينَ الظِّلِّ وَالنُّورِ، تَنطَلِقُ هَذِهِ المِسَاحَةُ الثَّقَافِيَّةُ الَّتِي اختَرنَا لَهَا اسمَ (عَلَى حَافَّةِ الضَّوءِ).
لَسنَا هُنَا لِنُقَدِّمَ حَقَائِقَ جَامِدَةً أَو أَحكَاماً نِهَائِيَّةً، فَالمَعرِفَةُ الحَيَّةُ لا تُبنَى عَلَى اليَقِينِ المُطلَقِ بِقَدرِ مَا تَنمُو مِن فُضُولِ السُّؤَالِ وَاتِّسَاعِ الرُّؤيَةِ، فَالثَّقَافَةُ لَيسَت تَرَفًا ذِهنِيًّا يُضَافُ إِلَى الحَيَاةِ مِن خَارِجِهَا، وَإِنَّمَا هِيَ إِحدَى الطُّرُقِ الَّتِي نَفهَمُ بِهَا أَنفُسَنَا وَالعَالَمَ مِن حَولِنَا، إِنَّهَا الجِسرُ الَّذِي يَصِلُ الإِنسَانَ بِتَارِيخِهِ، وَيَمنَحُهُ القُدرَةَ عَلَى قِرَاءَةِ حَاضِرِهِ وَاستِشرَافِ مُسْتَقبَلِهِ.
وَبَينَ سُؤَالٍ يَنهَضُ مِن عُمقِ الدَّهشَةِ، وَفِكرَةٍ تَلمَعُ كَشُعلَةٍ فِي لَيلِ الحَيرةِ، تَتَكَوَّنُ مَلَامِحُ الإِنسَانِ العَارِفِ، ذَلِكَ الَّذِي لا يَكتَفِي بِأَن يَمُرَّ بِالعَالَمِ مُرُورَاً عَابِراً، بَل يُحَاوِلُ أَن يُصغِيَ إِلَى أَسرَارِهِ، وَأَن يَقرَأَ فِي تَفَاصِيلِهِ مَا لا تَقُولُهُ الظَّوَاهِرُ، فَكُلُّ مَعرِفَةٍ صَادِقَةٍ هِيَ فِي جَوهَرِهَا رِحلَةٌ مِنَ السَّطحِ إِلَى العُمقِ البَعِيدِ، وَمِنَ العَادَةِ إِلَى الدَّهشَةِ المُوحِيَةِ.
فِي هَذِهِ الزَّاوِيَةِ سَنَقتَرِبُ مِنَ الأَدَبِ بِوَصفِهِ مِرآةً لِلرُّوحِ البَشَرِيَّةِ، وَمِنَ الشِّعرِ بِاعتِبَارِهِ اللُّغَةَ الَّتِي تَقُولُ مَا تَعجِزُ عَنهُ الكَلِمَاتُ المُعتَادَة، وَمِنَ الحَضَارَاتِ بِاعتِبَارِهَا السِّيرَةَ الكُبرَى لِلإِنسَانِ وَهُوَ يَصُوغُ مَعنَى وُجُودِهِ فَوقَ هَذِهِ الأَرضِ، سَنَتَوَقَّفُ عِندَ الكُتُبِ وَالأَفكَارِ، وَعِندَ الشَّخصِيَّاتِ الَّتِي تَرَكَت بَصَمَاتَهَا فِي الذَّاكِرَةِ الإِنسَانِيَّةِ، وَعِندَ الأَسئِلَةِ الَّتِي مَا تَزَالُ أَبوَابُهَا مَفتُوحَةً رَغمَ تَعَاقُبِ القُرُونِ.
سَنُحَاوِلُ أَن نُصغِيَ إِلَى الأَصوَاتِ القَادِمَةِ مِنَ المَاضِي دُونَ أَن نَنفَصِلَ عَن نَبضِ الحَاضِرِ، وَأَن نَقرَأَ التُّرَاثَ الإِنسَانِيّ بِعَينٍ مُعَاصِرَةٍ، وَنَنظُرَ إِلَى الوَاقِعِ مِن زَاوِيَةٍ أَكثَرَ اتِّسَاعاً وَعُمقاً، فَالثَّقَافَةُ الحَقِيقِيَّةُ الَّتِي نَسعَى إِلَى تَرسِيخِ مَضَامِينِهَا لَيسَت تَكدِيساً لِلمَعلُومَاتِ، وَإِنَّمَا هِيَ القُدرَةُ عَلَى تَحوِيلِ المَعرِفَةِ إِلَى بَصِيرَةٍ، وَالقِرَاءَةِ إِلَى فَهمٍ، وَالفَهمِ إِلَى وَعيٍ.
وَلَعَلَّ أَجمَلَ مَا فِي هَذهِ الرِّحلَةِ الثَّقَافِيَّةِ أَنَّهَا لا تَنتَهِي، فَكُلُّ كِتَابٍ يَفتَحُ بَاباً إِلَى كِتَابٍ آخَرَ، وَكُلُّ فِكرَةٍ تَقُودُ إِلَى فِكرَةٍ أَبعَدَ، وَكُلُّ إِجَابَةٍ صَادِقَةٍ تَلِدُ سُؤَالاً جَدِيداً، وَهَكَذَا نَمضِي جَمِيعاً عَلَى حَافَّةِ الضَّوءِ، فِي تِلكَ المِنطَقَةِ الآسِرَةِ الَّتِي يَلتَقِي فِيهَا الشَّغَفُ بِالمَعرِفَةِ، وَيُصَافِحُ فِيهَا السُّؤَالُ الحِكمَةَ، وَتَبقَى فِيهَا آفَاقُ الاكتِشَافِ مَفتُوحَةً عَلَى اتِّسَاعِهَا.
أَهلًا بِكُم فِي هَذِهِ الرِّحلَةِ.













