خليك دبلوماسي
محمد مامون يوسف بدر
كلما أسرح بخاطري في السودان، لا أراه مجرد وطن يمتد بين النيلين، أو أرضاً تتسع للسهول والجبال والوديان، بل أراه ذاكرةً تسكن القلب، وصوتاً خافتاً يناديني كلما ابتعدت عنه الأيام. السودان بالنسبة لي ليس مكاناً على الخريطة، وإنما شعورٌ عميق بالأمان والانتماء، وحكاية بدأت منذ الميلاد وما زالت فصولها تُكتب في الوجدان.
أتذكر وجوه الناس البسيطة وكرمهم الذي يشبه النيل في عطائه، وضحكات الصغار وهم يعودون من ميدان كرة القدم، ذلك الميدان الذي ينتهي اللعب فيه مع أذان المغرب. تلك الضحكات التي كانت تملأ الأزقة والحارات تجعلني أشعر أن الوطن ليس المباني ولا الطرقات، بل تلك التفاصيل الصغيرة التي تحفظها الروح مهما طال الغياب. فهناك، في السودان، تركنا أجزاءً من أحلامنا وذكرياتنا وأمنياتنا، ولذلك يظل حاضراً في القلب حتى عندما تغيب ملامحه عن العيون.
ومع ما مرّ به السودان من محنٍ وآلام، ظل في داخلي صورةً جميلة لا تشيخ. فالأوطان الحقيقية لا تُقاس بما تمر به من أزمات، وإنما بما تزرعه في نفوس أبنائها من حبٍ وصبرٍ وأمل. وكلما اشتدت العواصف، ازداد يقيني بأن السودان أكبر من الجراح، وأوسع من الخلافات، وأقوى من كل ما يحاول أن ينتزع من أبنائه إيمانهم بالمستقبل.
أحياناً أشعر أن الوطن يشبه الأم؛ قد نتألم لأجلها، وقد نحزن لما أصابها، لكننا لا نتوقف عن حبها أبداً. والسودان هو تلك الأم التي أثقلتها السنوات، لكنها ما زالت تمنح أبناءها أسباب التمسك بها. وما زال في أرضه متسع للأحلام، وفي سمائه متسع للأمل، وفي قلوب أهله متسع للمحبة والتسامح.
إن أكثر ما يحتاجه الإنسان ليس المال ولا المناصب، بل الشعور بالسكينة. وحين يجد هذه السكينة في وطنه، يصبح الوطن مُدَّخراً للجوء النفسي، ومرفأً تلجأ إليه الروح كلما أرهقتها الحياة. لذلك يبقى السودان، رغم كل شيء، مساحةً واسعةً من الحنين، ونافذةً مفتوحةً على الأمل، وبيتاً كبيراً نحمله معنا أينما ذهبنا.
وسيظل الأمل قائماً بأن يعود السودان كما نحلم به دائماً، وطناً يجمع أبناءه بالمحبة، ويحتضنهم بالأمن والسلام، وتعود إليه ابتسامة النيل، فتعود معها الطمأنينة إلى القلوب. عندها فقط سنشعر أن الوطن لم يكن مجرد أرض نعيش عليها، بل كان دائماً المُدَّخر الحقيقي لراحة أرواحنا وسلام نفوسنا.













