داليا الأسد
تُطلق كلمة “توداي” بلهجة البجا في شرق السودان على البنت أو الفتاة التي شُبّهت بالقمر والشمس، وأيضاً تُعد من أبرز الكلمات المرتبطة بالفلك والزمن في شرق السودان. فهي المسمى الأول للكنداكة، وفي اللوحة هي الأولى في عهد الملك أركاماني، وكلمة كنداكة بالمسمى الحرفي والصوتي في اللغة البجاوية أصبحت رمزاً للعُلا.
وتوداي تمثل الروح المعنوية للمقاتلين، كما أن “تودي” تعني صاحب الفضل.
فتجسد المرأة البجاوية في شرق السودان رمزاً للصمود والبسالة، فهي الشريك الأساسي للرجل في تحمل قسوة الحياة الصحراوية، وتشتهر بقوتها في إدارة شؤون الأسرة، ورعاية الماشية، وإعداد القهوة، إلى جانب دورها التاريخي العظيم في التدخل الحكيم لفض النزاعات القبلية بمجرد نزع غطاء الرأس.
وتتجلى بسالة المرأة البجاوية ومشاركتها في رحلة الكفاح في عدة جوانب رئيسية، أهمها شراكة البقاء والترحال، حيث تتحمل المرأة البجاوية قسوة الطبيعة والمناخ الصحراوي، وتتولى مسؤولية بناء “القطية” (المسكن البجاوي)، وتدبير الموارد وإدارة شؤون الأسرة بالكامل أثناء غياب الرجل في الرعي أو الأسفار.
كما تشارك في صناعة الحياة والاقتصاد الرعوي، وتساهم بفاعلية في حلب الماشية وصناعة منتجات الألبان وحياكة وغزل الصوف، مما يساهم في تأمين دخل الأسرة ودعم الاقتصاد المحلي، فضلاً عن ما تتمتع به من مكانة رفيعة وحكمة فاصلة.
أيضاً تتمتع المرأة البجاوية بمكانة مقدسة في المجتمع، ولها دور اجتماعي حاسم، فإذا اشتدت المعارك بين القبائل يكفي أن تدخل المرأة الساحة وتكشف عن شعرها (تكشف رأسها) ليتوقف القتال فوراً احتراماً وتقديراً لمكانتها.
وفي دعم المقاومة التاريخية، وقفت المرأة البجاوية كتفاً بكتف مع الرجل في معارك الدفاع عن الأرض عبر التاريخ، وقدمت الدعم اللوجستي والمعنوي للمقاتلين في وجه الحملات الاستعمارية.
كذلك نجد دورها في الحفاظ على التراث الثقافي للبجا، إذ تُعد الركيزة الأساسية في تربية الأجيال على قيم الشجاعة والفروسية والاعتزاز بالهوية، وتقديم التضحيات لحماية الأرض والعِرض.
ووقفت المرأة البجاوية تاريخياً جنباً إلى جنب مع الرجل في حركات المقاومة ضد الاستعمار، وتحملت معه مرارة النزوح والفقر والحصار الاقتصادي بكل صبر وثبات.
ويتجلى جمال المرأة البجاوية في الشرق بمزيج فريد يجمع بين الملامح الكوشية الأصيلة، والكبرياء البدوي، والأناقة التراثية الضاربة في عمق التاريخ، ويحظى جمالها بمكانة رفيعة في الثقافة والآداب، لدرجة تشبيهها بـ”تاجوج” رمز الجمال التاريخي في شرق السودان.
وترتدي المرأة الثوب البجاوي التقليدي المتميز بألوانه الزاهية والمتناسقة، مما يمنحها مظهراً يجمع بين الحشمة والوقار والأناقة.
كما تعشق المرأة البجاوية التزين بالذهب، ومن أشهر حُليّها “الخلال” (دبوس الشعر الذهبي)، والقلائد العريضة، وأقراط الأنف الكبيرة المميزة (الزمام).
ونجد أيضاً أن المرأة في شرق السودان تلعب دوراً محورياً في دعم مجتمعاتها عبر العمل التعاوني والمبادرات الأهلية، ويتركز هذا التعاون في عدة مجالات رئيسية تهدف إلى تحسين الظروف المعيشية والصحة والتعليم وتخفيف أعباء الأزمة الاقتصادية.
حيث تتجلى أبرز أشكال التعاون ودور المرأة في الشرق في الدعم المجتمعي، وتقديم التوعية في مجالات التغذية والإرضاع وممارسات النظافة الصحية داخل الأحياء.
كما يبرز دورها في التمكين الاقتصادي والزراعي من خلال التعاون في مناطق الإنتاج وتقليل الوقت المهدر في العمل الزراعي، وتشكيل دوائر تضامنية لتسهيل الحصول على التمويل والمستلزمات المصرفية.
كذلك تقود الشابات المبادرات المجتمعية البارزة، مثل مبادرة “تُكنان” في مجتمعات البجا، لتعليم الفتيات والنساء، ومكافحة الأمية، ونشر المعرفة.
وفي مجال العمل الصحي والتطوعي، تنشط لجان المرأة في تنظيم الأيام العلاجية المجانية بالتعاون مع منظمات المجتمع المدني لتقديم الخدمات الطبية العاجلة في القرى والأرياف.
كما نشهد قيام مؤتمرات تعنى بقضايا المرأة، مثل مؤتمر نساء شرق السودان في بورتسودان، لمناقشة التحديات التي تواجه المرأة، مثل منع زواج القاصرات، وتوفير الدعم الشامل في ظل أزمات النزوح.
دمت يا شرقي الحبيب بخير، ودامت توداي الشرق في قمة عظمتها وشموخها وإرثها الجميل.











