داليا الأسد
هذا المثل السوداني الشهير، حول عدم استغلال من تحب أو الإفراط في الاعتماد على طيبة الآخرين، هو: «أخوك لو بقى عسل ما تلحسو كلو»، بمعنى أن العسل يرمز إلى الكرم والطيبة والعطاء الزائد من الشخص القريب أو المحب، و«ما تلحسو كلو» تعني عدم استنزاف هذا العطاء أو استغلال طيبة الطرف الآخر، حتى لا ينفد صبره أو تنتهي هذه المحبة بالاستغلال المفرط. فالحكمة من المثل تدعو إلى الاعتدال في المعاملة، وعدم إرهاق الصديق أو الأخ أو الحبيب بالطلبات المستمرة لمجرد أنه طيب ومعطاء، وتحذر من أن الاستغلال الزائد قد يؤدي إلى خسارة العلاقة أو جفاف المودة.
فاستغلال من تحب لمصالحك الشخصية، أو ما يُعرف في علم النفس بالاستغلال العاطفي أو الانتهازية في العلاقات، هو سلوك يعتمد فيه الطرف المستغِل على مشاعر الطرف الآخر وطيبته، أو رغبته في إرضائه، لتحقيق مكاسب شخصية، مادية أو معنوية، على حساب الطرف الآخر ودون رد الجميل بشكل متكافئ. وهذا السلوك يدمر العلاقات بمرور الوقت؛ لأنه يحولها من علاقة قائمة على المودة والتبادل الصحي إلى علاقة نفعية أحادية الجانب.
فأشكال الاستغلال لمن تحب قد تكون في الاستغلال المادي، أي الاعتماد الدائم على الطرف الآخر ماليًا، أو أخذ ممتلكاته دون نية حقيقية للمشاركة أو الرد. وكذلك الاستغلال العاطفي، أي استهلاك وقت الطرف الآخر وجهده ودعمه النفسي عند الحاجة فقط، والتجاهل التام له عندما يكون هو من يحتاج إلى الدعم. فالابتزاز العاطفي هو استخدام شعور الطرف الآخر بالذنب أو حبه لك لإجباره على فعل أشياء لا يريدها، مثل جملة: «لو كنت تحبني لفعلت كذا». وأيضًا نجد الاستغلال الاجتماعي، وهو التقرب من شخص لمجرد الاستفادة من علاقاته أو منصبه، أو لتحسين صورتك أمام الناس.
أما استغلال المرأة، خاصة عندما تكون مدفوعة بمشاعر الحب والتعلق، فهو سلوك يعكس غياب النضج العاطفي والأخلاقي، ويؤدي إلى تدمير الثقة وهدم العلاقات بشكل كامل. فعندما تحب المرأة بصدق، فإنها تميل إلى تقديم التنازلات، وإظهار الضعف، ومنح الأمان لشريكها، وهو ما يجعله يمتلك «قوة عاطفية» يمكنه إما استخدامها لبناء علاقة صحية أو لاستغلالها بشكل مؤذٍ.
فتفصيل أشكال استغلال المرأة المحبة هو الاستغلال العاطفي، واستخدام مشاعرها كوسيلة للسيطرة، أو إشعارها بالذنب الدائم «الابتزاز العاطفي» لضمان تلبية رغبات الطرف الآخر دون مقابل. وكذلك الاستغلال المادي، بالاعتماد الكامل على دعمها المالي أو مواردها الشخصية، استنادًا إلى معرفة أنها لن ترفض طلبًا بسبب حبها. ومن ذلك ينتج استغلال الوقت والجهد، ومعاملتها كخيار ثانٍ أو ملجأ وقت الحاجة فقط، مع تجاهل احتياجاتها العاطفية والنفسية في المقابل.
وكذلك الاستغلال الفكري، وهو التقليل من شأن قراراتها أو آرائها، وجعلها تشك في قدراتها العقلية والتلاعب النفسي، مما ينتج عنه فقدان الثقة بالنفس، وتبدأ المرأة في الشعور بأن قيمتها مشروطة بما تقدمه فقط، وليس لشخصها، إلى جانب الإنهاك النفسي؛ فتقديم العطاء من طرف واحد يؤدي إلى استنزاف الطاقة والمشاعر، وينتهي بالإحباط والاكتئاب.
تدمير العلاقات بالاستغلال سينتهي تدريجيًا، وحتى إن استمرت العلاقة لفترة بسبب التعلق، فإنها تتحول إلى علاقة سامة وغير مستقرة. لذلك تُبنى العلاقة الصحيحة التبادلية على العطاء المتبادل «الاهتمام، الدعم، والتقدير»، وليس الاستهلاك من طرف واحد، وعلى الاحترام والتقدير. ويجب التعامل بما يستوجب الشكر والمقابلة بالمثل، وليس كـ«حق مكتسب». وكذلك وضع الحدود؛ فالقوة الحقيقية في العلاقة تكمن في احترام حدود الطرف الآخر وحمايتها، وليس في تجاوزها لمصالح شخصية.













