الجوهرة الزرقاء بين أمجاد الماضي وندوب الحرب
الحرب تترك جراحها على المدرجات




القلعة الزرقاء.. حلم تحوّل إلى أيقونة
التأهيل الكامل أولوية .. والجماهير.. روح القلعة الزرقاء
عبد المنعم هلال ـ آكشن سبورت
قبل أن يُشيد أي حجر في أرض أم درمان، كان نادي الهلال قد رسخ مكانته في تاريخ الكرة السودانية منذ تأسيسه في 13 فبراير 1930. ويُحسب للهلال أنه أول فريق لعب في الميادين المسورة، وأول من ابتكر طريقة «الظهير الثالث» عبر لاعبه طلعت فريد، كما كان أول نادٍ ينفتح على أقاليم السودان في ثلاثينيات القرن الماضي.
وفي 14 ديسمبر 1965 افتُتح استاد الهلال رسمياً بمواجهة تاريخية أمام المنتخب الغاني انتهت بالتعادل بهدف لكل فريق، ليولد بعدها واحد من أشهر الملاعب في إفريقيا. وتحول الملعب إلى قلعة جماهيرية مرعبة، خاصة بعد سلسلة تاريخية تجاوزت 100 مباراة دون خسارة بين عامي 2002 و2008 أمام أندية عربية وإفريقية كبيرة، ليحمل لقب «المقبرة».
المقصورة الطائرة
شهد الاستاد أولى مراحل التطوير الكبرى عقب وصول الهلال إلى نهائي دوري أبطال إفريقيا عام 1992 أمام الوداد المغربي، حيث أُعيد بناء المقصورة الشهيرة التي عُرفت باسم «المقصورة الطائرة» بسبب تصميمها الهندسي المعلّق، لتصبح إحدى العلامات البارزة في تاريخ الملعبن، وذلك في عهد مجلس الراحل عبدالمجيد منصور.
ثورة الكاردينال
في عام 2015 أطلق رئيس الهلال آنذاك الدكتور أشرف سيد أحمد الحسين «الكاردينال» مشروع إعادة بناء الاستاد تحت اسم «الجوهرة الزرقاء»، بعد التعاقد مع شركة صينية متخصصة. وشمل المشروع إزالة شبه كاملة للمدرجات والمقصورة القديمة، وبناء مقصورة رئاسية حديثة من ثلاثة طوابق مزودة بمصعد كهربائي.
ومن أبرز إضافات المشروع تخصيص مدرج كامل للسيدات تحت اسم «مدرج مهيرة»، بجانب توسعة السعة الجماهيرية من 25 ألفاً إلى 60 ألف متفرج، ليصبح الملعب الأكبر في السودان، إلى جانب إنشاء مرافق خدمية تضم فندقاً ومستشفى وكافيتيريات ومسبحاً. وبلغت تكلفة المشروع نحو 11.9 مليون دولار.
الساحة الإفريقية
بعد افتتاحه عام 2018، استضاف الملعب مباريات إفريقية كبرى أمام الأهلي والزمالك وغيرهما، لكن اشتراطات الاتحاد الإفريقي ظلت تمثل تحدياً دائماً، خاصة فيما يتعلق بالإضاءة، وغرف تبديل الملابس، ومنظومة الأمن، والخدمات الطبية، والبنية التحتية الخاصة بالبث التلفزيوني.
جراح الحرب
في أبريل 2023، تحولت الجوهرة الزرقاء من معقل رياضي إلى ساحة حرب بعد سيطرة قوات الدعم السريع على المنطقة المحيطة بالملعب واستخدامه كموقع عسكري. وبعد استعادة الجيش للمنطقة ظهرت آثار الدمار بوضوح؛ مدرجات متهالكة، أعشاب تالفة، ومنشآت متضررة، في مشهد صادم لجماهير الهلال.
وخلال فترة الحرب اضطر الهلال إلى خوض مبارياته خارج السودان، متنقلاً إلى موريتانيا للمشاركة في الدوري الممتاز هناك، بعيداً عن ملعبه وجماهيره.
مبادرة العودة
مع هدوء الأوضاع في أم درمان، انطلقت مبادرات شعبية لتنظيف الاستاد وإزالة آثار الحرب، أبرزها المبادرة التي أطلقها الصحفي عمر الطيب، وسط تفاعل واسع من الجماهير الهلالية التي حضرت للمشاركة في أعمال النظافة ورفع الأنقاض.
وأكد مسؤولون باتحاد الكرة أن ما يجري حالياً يقتصر على النظافة وإصحاح البيئة، تمهيداً لعمليات تأهيل شاملة، خاصة أن الملاعب الرئيسية في الخرطوم لم تعد مطابقة للمواصفات القارية.
متطلبات الكاف
بحسب المتخصصين، يحتاج استاد الهلال إلى إعادة تأهيل كاملة تشمل الأرضية، ومنظومة الري، والإضاءة المطابقة للبث الحديث، وإصلاح المدرجات والمقاعد، وتأهيل غرف الملابس، وتركيب أنظمة مراقبة وكاميرات حديثة، إضافة إلى صيانة الفندق والمرافق الخدمية والبنية التحتية للكهرباء والمياه والاتصالات.
جدل الموقع
يقع استاد الهلال في قلب أم درمان، وهو ما يمنحه قيمة تاريخية وروحية كبيرة لدى الجماهير، لكن ضيق المساحة المحيطة به يفرض تحديات تتعلق بالتوسع المستقبلي ومواقف السيارات وإدارة الحشود. ولهذا ظهرت دعوات لبناء استاد جديد على أطراف المدينة بسعة تصل إلى 100 ألف متفرج، غير أن قطاعاً واسعاً من الجماهير يرفض فكرة مغادرة أم درمان باعتبار أن الملعب جزء من ذاكرة الهلال وهويته.
موقف الإدارة
في يناير 2026 أعلنت إدارة الهلال بقيادة هشام السوباط رفضها لفكرة التأهيل الجزئي، مؤكدة تمسكها بإعادة تأهيل كاملة تتيح عودة الفريق لاستضافة مبارياته القارية على ملعبه. وترى الإدارة أن المشروع يمثل ضرورة استراتيجية لاستعادة الدور الرياضي والاقتصادي للنادي، رغم ضخامة التكاليف وصعوبة الظروف الاقتصادية.
الجماهير تنتظر
رغم كل الدمار، ظلت جماهير الهلال متمسكة بقلعتها الزرقاء، حاضرة في الملاعب البديلة ومؤمنة بعودة الجوهرة إلى سابق عهدها. ويؤكد كثيرون أن مشروع إعادة الإعمار يحتاج إلى تكاتف الإدارة والجماهير والدولة، تماماً كما حدث عند تشييد المشروع الأول.
بريق الجوهرة
استاد الهلال ليس مجرد ملعب، بل ذاكرة رياضية وإنسانية امتدت لأكثر من ستة عقود. من افتتاحه في ستينيات القرن الماضي، إلى ثورة «الجوهرة الزرقاء»، ثم سنوات الحرب والدمار، ظل الملعب رمزاً للهلال وأم درمان.
واليوم، تنتظر الجماهير عودة اللون الأزرق إلى المدرجات، وعودة الهتافات والأغاني التي طالما صنعت هيبة المكان، في مشروع لا يحتاج فقط إلى المال، بل إلى إرادة حقيقية تعيد للجوهرة بريقها ولأم درمان روحها.









