بلا ميعاد : عوض أحمد عمر
- من الصعب أن يجد المتابع لكرة القدم السودانية مرحلة أكثر بؤسًا واضطرابًا من المرحلة التي يقودها الاتحاد الحالي.
- الحديث هنا ليس عن الأشخاص بقدر ما هو عن الحصيلة النهائية، وعن المخرجات التي وضعت الكرة السودانية في حالة خصام دائم مع المنطق والمصلحة العامة، حتى بدا الاتحاد وكأنه يعمل ضد اللعبة لا من أجلها.
- لسنوات طويلة ظل الوسط الرياضي يتحدث عن المشاكل المالية، والعقليات الإدارية، وضعف البنية التحتية، وغياب الفعل المؤثر من الدولة.
- لكن تبقى الأزمة الأخطر اليوم ليست في قلة الإمكانات، وإنما في غياب الرؤية، وفقر الإدارة، والعجز عن قراءة اللحظة الوطنية بما تستحقه من مسؤولية وحكمة وتجرد.
- لهذا فإن كل قرار يصدر عن الاتحاد يبدو أقرب إلى ردود أفعال غير راشدة منه إلى سياسة مدروسة تخدم مستقبل الكرة السودانية.
- ولعل ما يحدث مع لاعبي المنتخب الوطني الأول يمثل النموذج الأكثر قتامة لهذا التخبط.
- فهذا المنتخب، الذي أعاد للسودانيين بعضًا من الأمل، ونجح في الوصول إلى نهائيات «الكان» و«الشان»، ونافس بقوة على بطاقة التأهل إلى كأس العالم بعد أن تصدر مجموعته في المرحلة الأولى على حساب السنغال بفارق نقطتين، دفع ثمن غياب الإدارة الراشدة في المرحلة المهمة، ليتبدد الحلم.
- هؤلاء اللاعبون كان من المفترض أن يُكرَّموا، وأن يحاطوا بالدعم والرعاية والتحفيز، لا أن يتحولوا إلى خصم يعمل الاتحاد أو مراكز القوة على تأديبه.
- ما يحدث اليوم يوحي وكأن الاتحاد قرر تصفية هذا الجيل المميز فقط لأنهم رفعوا صوتهم للمطالبة بحقوقهم المالية.
- وهذه ليست مجرد أزمة تتعلق بمشاكل مالية عارضة، بل أزمة عقلية إدارية تعجز عن التفريق بين هيبة المؤسسة والانتقام من لاعبيها.
- الاتحادات المحترفة تعمل على معالجة مثل هذه الملفات بالحوار والتقدير، وإبعاد اللاعبين عن هذه الأجواء المختنقة، لأن المنتخبات الوطنية ليست ملكًا لمجلس إدارة أو لفرد مهما كان تأثيره، وإنما ملك لشعب كامل.
- الأخطر من ذلك أن الاتحاد يواصل إدارة المشهد بعقلية لا تدرك قيمة كرة القدم كقوة مؤثرة ورسالة وطنية.
- ويتجلى ذلك بوضوح في حرمان التلفزيون القومي من نقل مباريات بطولة دوري النخبة بحجة الحقوق المالية، متناسيًا أن الدولة نفسها هي التي صنعت المستحيل من أجل استمرار النشاط، ووفرت الظروف اللوجستية والأمنية والتنظيمية التي عجز الاتحاد عن توفيرها.
- كان من الطبيعي أن يرد الاتحاد التحية بمثلها، وأن يدرك أن نقل المباريات ليس مجرد صفقة تجارية، بل رسالة وطنية وإعلامية وجماهيرية.
- فالدولة، التي تجاوزت أولويات حياتية قاسية من أجل دعم المنافسة، لم تكن تنتظر أن يُقابل شعبها بهذا الجفاء وهذا القدر من ضيق الأفق الإداري.
- ثم إن حرمان التلفزيون من النقل لا يضر المؤسسة الإعلامية وحدها، بل يضرب المنافسة نفسها في مقتل.
- فمن دون البث ستفقد البطولة جزءًا كبيرًا من جمهورها داخل السودان وخارجه، وسيضعف تأثيرها الجماهيري بصورة أكبر.
- وإذا كانت مباريات القمة نفسها بالكاد تستقطب بضعة آلاف من المشجعين، بينما تعاني بقية المباريات من حضور محدود لا يتجاوز المئات، فكيف يمكن لاتحاد عاقل أن يغلق النافذة الوحيدة التي تربط الجماهير بالبطولة؟
- إن أخطر ما يواجه كرة القدم السودانية اليوم ليس الفقر المالي ولا الظروف السياسية، وإنما إدارة تفتقر إلى الحس الوطني والرؤية الاستراتيجية.
- إدارة تتعامل مع الملفات بعقلية الصدام، وتتصرف وكأن كرة القدم ساحة لتصفية الحسابات لا مشروعًا وطنيًا يستحق الحماية والعمل بتجرد كامل.
▪️آخر الكلم▪️
- يزداد الحزن حتى على الجانب الشخصي عندما ترتبط كل هذه الإخفاقات بأسماء لها تأثيرها وحضورها، مثل الدكتور معتصم جعفر، والأستاذ أسامة عطا المنان، والأستاذ مجدي شمس الدين الأمين العام للاتحاد.
- فالمسألة هنا ليست خلافًا شخصيًا مع أفراد، وإنما صدمة حقيقية من واقع إداري لا يشبه التجارب والخبرات التي يفترض أنها تراكمت عبر السنوات.
- كان كثيرون يعتقدون أن وجود هذه الأسماء كفيل بصناعة مرحلة أكثر نضجًا واتزانًا، وأن الخبرة الطويلة والرغبة الظاهرة ستقود إلى إدارة الاتحاد بالحكمة لا بردود الأفعال، وبالاحتواء لا بالمواجهة، لكن ما يحدث على الأرض يبعث على الأسى ويطرح سؤالًا موجعًا: ماذا هناك؟ وماذا جرى؟ ولماذا أصبح المشهد محزنًا إلى حد يصعب تصديقه؟
- حيث كان المؤمل من هذه المجموعة أن تكتب صفحة مختلفة في تاريخ الكرة السودانية، لا أن ترتبط بفترة يتسع فيها الغضب وتضيق فيها مساحات الأمل.
Omeraz1@hotmail.com









