بوح الحبر
د. الحبر عبد الوهاب
مع أحداث حرب الخليج الثانية في أوائل التسعينات، وتعذر حركة الطيران من وإلى مطار صنعاء، قررتْ وزارة التربية والتعليم اليمنية نقل المعلمين السودانيين إلى بلادهم في الإجازة الصيفية بحرا انطلاقا من ميناء الحديدة.
كان مبدأ رحلتنا إلى الحديدة من صنعاء، قرب فندق (وادي الدور) في شارع تعز، حيث تصطف عربات التاكسي (البيجو) المتوجهة إلى الحديدة.
بعد أن أخذت مكاني في التاكسي برفقة ثلاثة من المعلمين الأصدقاء، وبقية الركاب من اليمنيين، قدم السائق لكل واحد منا ـ نحن المعلمين ـ باغة (كيس نايلون). سألته عن سبب إعطائها لنا فقال: احتمال تقذفوا (تتقيّؤوا)، في عقبة (مناخة). قلت له إننا متعودون على ركوب (العقبات)، مثل عقبة (المناقل) عند نجد المجمعة في مأرب، و(أبلح) في العبدية. أرجع الرجل الأكياس ووضعها في الدرج الأمامي دون أن يحاول إقناعي، ووضع (قاته) أمامه وأشعل سيجارة، ثم انطلق بنا مارا بـ (باب اليمن)، ثم شارع (الزبيري)، ثم شارع (هايل)، حيث جامعة صنعاء، وصولا إلى (مذبح) التي ودعنا بعدها صنعاء، صاعدين جبالا بدا صعودها سهلا.
هناك في الأعالي ـ كعادة الجبال في اليمن ـ وجدنا قرى متناثرة، تتخللها خضرة رائعة، ومسجدا منفردا جوار الطريق صلينا فيه الظهر والعصر جمعا، ثم أسلمنا الطريق إلى عقبة (مناخة)، ومع الصعود، ودخان السجاير، و(تخزينة) السائق، وعزف عود لفنان يمني أظنه (أيوب طارش)، ينبعث من (مسجل) السيارة، بدأت الأصوات تغيب عن أذني رويدا رويدا حتى انقطعت تماما، وشعرت بدوار.. قلت للسائق أعطني الكيس، فتقيأت فيه كثيرا وأنا أتصبب عرقا.
بعد أن أفقت قليلا رأيت سيارة مقلوبة في منحدر أسفل الطريق، ورأيت أمامنا السحب بغيومها أسفل عقبة مناخة! لم أر مثل السائق اليمني تمكنا من القيادة والمغامرة في الطرق الوعرة الضيقة في قمم الجبال، حيث الخطأ يعني الهلاك!
وتذكرت أستاذي عبد الرسول الذي قطع إعارته لليمن، ولمّا سأل عني قيل له إنني عدت لليمن فقال: “ما الذي يجبره؟”، وقالت لي أمي ذات يوم: ما الذي يجبرك على غربة اليمن؟ لا عندك من يرضع أو يحتاج لإسكات! تقصد أنني لم أتزوج وليس لديّ أطفال. ضحكت وقلت لها إن لديّ أصحابا يمنيين أوفياء، واليمن بلد طيب.
وأخيرا بدأ الطريق ينحدر إلى الأسفل، ولفحنا هواء حار، ورأيت مزارع موز وأكواخا من “القش”، أفريقية الملامح، ووصلنا (باجل)، ثم دخلنا عبر (شارع صنعاء) إلى الحديدة التي وجدنا رطوبة البحر الأحمر تلفها. كانت درجة الحرارة تفوق الخمسين درجة مئوية، وماء الشرب الذي يستهلك بكثرة معبأ في أكياس بلاستيكية تُرضع من زواياها رضاعة ليخرج الماء في حينه عرقا. الحديدة ارتبطت في ذهني بشارع صنعاء، وأكياس الماء البلاستيكية، والرطوبة، واستخدام الدبابات (المواتر) وسيلة مواصلات!
بعد أسبوع تقريبا سبحت وزملائي في البحر الأحمر، ثم توجهنا إلى ميناء الحديدة لتقلنا سفينة ضخمة إلى ميناء سواكن الذي سأراه للمرة الأولى!.









