داليا الأسد
من أشهر الأمثال والحِكَم السودانية التي تحث على احترام الكبير وتوقير أصحاب المقام، وتعني أن من لا يستشير أصحاب الخبرة والكبار (مثل الناظر أو حكماء القبيلة) لا يفلح في تدبير أموره. ويُعد احترام الكبير والولي والناظر ركيزة أساسية في الثقافة المجتمعية لشرق السودان، خاصة بين قبائل البجا (مثل الهدندوة، والأمرأر، والبني عامر، والحلنقة).
هذا الاحترام ليس مجرد تقليد، بل هو نظام اجتماعي وأخلاقي يُنظِّم حياة الناس ويحافظ على تماسك النسيج الاجتماعي.
فمكانة الناظر، أي الزعيم القبَلي في شرق السودان، هي أعلى سلطة في الإدارة الأهلية للقبيلة، ويُنظر إليه كرمز للسيادة والتاريخ. وهو الدور القيادي الذي يتولى إدارة شؤون أفراد قبيلته، وحماية أراضيها (النظارة)، وتمثيلها أمام الدولة والقبائل الأخرى. ويُعتبر الناظر بمثابة “الأب” أو “الملك” في الوعي الجمعي لبعض المكونات، حيث يُطاع ويُحترم كحكيم القبيلة.
أبرز النظارات التي تتواجد في الشرق هي نظارات تاريخية راسخة مثل: نظارة الهدندوة بقيادة الناظر محمد الأمين ترك، ونظارة الحلنقة بقيادة الناظر شيكيلاي، ونظارة البني عامر بقيادة الناظر دقلل.
ونجد تقدير الكبير والناظر باحترام كبار السن قيمةً راسخة في المجتمع السوداني عموماً، وتتجلى بوضوح في الشرق.
فنجد الحكمة والمشورة دائمًا للكبار باعتبارهم مرجعية للحكمة والخبرة، لذا تُعرض عليهم النزاعات قبل وصولها للسلطات الرسمية لأنهم دائمًا يقومون بحلّ كافة المشاكل القبلية.
وتعكس الأعراف الاجتماعية هذا الاحترام في آداب الحوار، والمجالس (الديوان)، والحرص على تقديمهم في المناسبات العامة والخاصة.
كذلك نجد أن كلمة “الولي” في شرق السودان غالبًا ما ترتبط برجال الدين والصوفية الذين يحظون بمكانة مقدسة، وتجد الارتباط بهم روحياً قوياً، إذ إن البيوتات الدينية ترتبط بالعديد من قبائل الشرق (مثل الهدندوة والأمرأر) بطرق صوفية كالختمية، حيث يُحترم “الولي” أو “الشيخ” كقائد روحي ومصلح اجتماعي.
ويحرص السكان على نيل بركة الأولياء والمشايخ، ويُعتبر رأيهم مُلزماً أخلاقياً في حلّ الأزمات الكبرى.
كذلك توجد أنظمة في شرق السودان تحترمها وتعمل بها كافة الناس، وهي أنظمة ضبط اجتماعي رصين تُعرف بـ”القلد”، حيث يتجلى احترام هذه القيادات (الناظر والكبير والولي) في نظام “القلد”، وهو ميثاق شرف تاريخي لفضّ النزاعات في شرق السودان.
ويُعتبر هذا النظام معجزة في السلم الاجتماعي؛ فبمجرد أن يتدخل “الناظر” أو “الكبير” لعقد “قلد” (هدنة)، يتوقف الاقتتال فوراً احتراماً لمكانتهم وكلمتهم.
فعبارة “الناظر” في شرق السودان نجدها تعبّر عن حبٍّ فطري، وتشير في السياق السوداني الشعبي والسياسي إلى المكانة الرمزية الكبيرة التي يحظى بها قادة الإدارة الأهلية.
ونجد تحديداً أن الناظر محمد الأمين ترك، ناظر عموم قبائل الهدندوة، قد حظي بمثل هذا التقدير، حيث تُعبّر هذه الجملة عن عدة معانٍ مرتبطة بطبيعة المجتمع في شرق السودان، والارتباط التاريخي والولاء الشعبي وامتداد الجذور.
فالناظر ترك يمثل امتداداً لتاريخ طويل من نظارة الهدندوة التي لعبت أدواراً محورية في السلم الاجتماعي والسياسي، وهذا الحب الفطري ينبع من تقديس المجتمع لنظام الإدارة الأهلية، حيث يمثل الناظر “الأب الروحي” والحافظ للأرض والعرض في وجدان إنسان الشرق.
برز اسم الناظر ترك في المحافل كقائدٍ يحظى بتفويض شعبي واسع، خاصة في مبادرات توحيد أهل الشرق مثل “مؤتمر هداليا”، فهي من المواقف الوطنية القوية التي ساهمت في حلّ قضايا الإقليم وتعزيز السيادة الوطنية، مما جعل مؤيديه يرون في اتباع خطواته فطرةً وطنية نابعة من الحرص على استقرار السودان وحبّ السلم.
وهي صفات تنعكس في ولائهم لقياداتهم التقليدية التي تمثل صمام أمان ضد الفتن.
وباختصار، جملة “الناظر” تلخص حالة من الولاء التقليدي الراسخ الذي يتجاوز التحالفات السياسية العابرة، لتصبح علاقة “الناظر” برعيته علاقة وجدانية متجذرة في هوية وتاريخ شرق السودان، وأن احترام هذه الرموز يتجاوز الشخص نفسه ليكون احتراماً “للمؤسسة” التي تضمن الأمن والتعايش السلمي في الإقليم.













