من التأسيس إلى الرقمنة… مسيرة مؤسسية متواصلة حتى اليوم


مؤتمر الخريجين… دور محوري في التأسيس
السوباط والعليقي… نهاية دورة وبداية أخرى
الجمعيات العمومية… قلب القرار
اجتماع أم درمان… لحظة الميلاد
الأزرق والأبيض… بداية الهوية
عبدالمنعم عثمان الديم ـ آكشن سبورت
مع اقتراب انعقاد الجمعيات العمومية لـ نادي الهلال ، تعود الذاكرة إلى البدايات الأولى لنادٍ لم يكن مجرد كيان رياضي، بل تجربة مبكرة في الممارسة الديمقراطية والعمل المؤسسي. فمنذ تأسيسه عام 1930، ارتبط الهلال بقيم الشورى والاختيار الحر، وهو ما جعله يُعرف بـ”نادي الديمقراطية”، حيث شكّلت الجمعيات العمومية ركيزة أساسية في إدارة شؤونه وصناعة قراراته.
وفي قلب هذه البدايات، يبرز اسم بابكر أحمد قباني، أحد أبرز المؤسسين الذين وضعوا اللبنات الأولى لهذا النهج، وساهموا في ترسيخ تقاليد العمل الإداري المنظم، جنبًا إلى جنب مع دورهم الوطني في معركة الاستقلال. واليوم، يقف الهلال على أعتاب مرحلة جديدة، تعكس استمرار ذلك الإرث، عبر جمعيتين عموميتين مرتقبتين، تمثلان حلقة جديدة في سلسلة تاريخية طويلة من التداول الديمقراطي والتحديث المؤسسي.
هموم وطنية
وُلد بابكر أحمد قباني في حي كوبر بالخرطوم بحري عام 1906، وتلقى تعليمه بكلية غردون التذكارية، حيث درس لمدة عامين قبل أن يُفصل لأسباب وطنية، في دلالة مبكرة على انخراطه في قضايا بلاده وهمومها. بعد ذلك التحق بمدرسة البوستة والتلغراف، ثم عمل في مصلحة البريد والبرق مفتشًا حتى تقاعده للمعاش، مستفيدًا من طبيعة عمله في التنقل بين المدن لنشر الوعي الوطني وتعزيز التواصل بين القيادات.
كان قباني من مؤسسي مؤتمر الخريجين، أحد أهم الأطر الوطنية التي لعبت دورًا محوريًا في مسيرة الحركة الوطنية السودانية، وأسهم بصورة فاعلة في تأسيس اللجان الفرعية للمؤتمر في مختلف المناطق، مستفيدًا من تنقلاته المستمرة. كما انتُخب عضوًا في الهيئة الستينية لمؤتمر الخريجين في دوراته الثانية والسادسة والسابعة والثامنة، ما يعكس حضوره المؤثر داخل هذا الكيان الوطني الكبير.
لحظات تاريخية
وامتد دوره السياسي ليشمل تأسيس حزب الأشقاء، حيث كان من أعضائه القياديين، ثم انضم لاحقًا إلى الحزب الوطني الاتحادي، وشارك في لجنته التنفيذية، واختير عضوًا في مجلس الشيوخ خلال الفترة من 1953 إلى 1954، وهو المجلس الذي أجاز استقلال السودان في جلسته المشتركة مع مجلس النواب، ليكون بذلك شاهدًا ومشاركًا في واحدة من أهم اللحظات التاريخية في البلاد.
ولم تقتصر إسهامات قباني على العمل السياسي والتنظيمي، بل كان له دور إنساني ووطني بارز في دعم الطلاب الذين ابتعثتهم جمعية الاتحاد السوداني للدراسة في مصر، حيث قدم لهم المساعدات، وساهم في حمايتهم من ملاحقة الشرطة السرية، بل وساعد في تهريب بعضهم عبر عربات السكك الحديدية الخاصة بالبريد حتى وصولهم إلى منطقة الشلال شمال السودان.
كما عُرف بقدراته الكبيرة في التنظيم وإثارة الجماهير، حيث لعب دورًا مهمًا في تعبئة المزارعين خلال إضراب عام 1946، وهو ما يؤكد حضوره الفاعل في مختلف ساحات العمل الوطني.
قصة الاسم
وعلى الصعيد الرياضي، كان بابكر أحمد قباني أحد أبرز المؤسسين لـ نادي الهلال السوداني، حيث اجتمع مع عدد من الرواد في منزل حمدنا الله أحمد حمدنا الله بحي الشهداء بأم درمان، وهم: حمدنا الله أحمد حمدنا الله، بابكر مختار تاتاي، يوسف المأمون، يوسف مصطفى التني، بابكر أحمد قباني، أمين بابكر، عبد الرحيم سرور، عوض أبو زيد، آدم رجب، علي عبد الله مبروك، التجاني القاضي، عبد الرحمن شداد، مقابلي حسين شريف، التجاني عامر، مصطفى أحمد إبراهيم، سعد صديق، عربي بلال، محمد حسين شرفي، وفتح الله بشارة، ليبلغ عددهم تسعة عشر مؤسسًا.
وخلال ذلك الاجتماع التاريخي، اقترح حمدنا الله أحمد حمدنا الله اسم “الهلال” تيمّنًا بهلال رجب، وقد ثنّى الاقتراح آدم رجب، ليُعتمد الاسم رسميًا يوم السبت 1 رجب 1345هـ الموافق 22 فبراير 1930، كما تم اختيار اللونين الأزرق والأبيض شعارًا للنادي.
الرئيس الأول
بعد ذلك، تم تشكيل أول مجلس إدارة للفريق، حيث تولى بابكر أحمد قباني رئاسة المجلس، فيما شغل يوسف المأمون منصب السكرتير، وحمدنا الله أحمد حمدنا الله أمينًا للصندوق، إلى جانب عضوية عدد من المؤسسين. وفي الثالث من مارس 1930، تم تسجيل الفريق رسميًا لدى مفتش مركز أم درمان بعد دفع الرسوم المقررة، قبل أن يتم اعتماد تسجيله رسميًا في 13 مارس من العام نفسه.
ولم تتوقف مسيرة قباني عند التأسيس، بل عاد ليتولى رئاسة النادي مرة أخرى خلال الفترة من 2 فبراير 1944 حتى 8 يوليو 1945، مؤكدًا استمرارية عطائه الإداري.
وينتمي قباني إلى أسرة قباني الشهيرة بمدينة بحري، حيث ظل أفرادها يقيمون بها، قبل أن ينتقل في فترة لاحقة إلى أم درمان، بالقرب من منزل الزعيم إسماعيل الأزهري.
توفي بابكر أحمد قباني عام 1991، تاركًا خلفه إرثًا وطنيًا ورياضيًا خالدًا، جعله واحدًا من أبرز الشخصيات التي جمعت بين العمل العام والرياضي في تاريخ السودان.
تجدد الإرث
واليوم، ومع اقتراب انعقاد الجمعيات العمومية لنادي الهلال، تتجدد معاني ذلك الإرث، حيث يستعد النادي لعقد جمعيتين عموميتين خلال الفترة المقبلة؛ الأولى في الثاني من مايو، لمناقشة وإجازة تعديلات على النظام الأساسي بما يواكب متطلبات العصر الرقمي ويعزز من توسيع قاعدة المشاركة، فيما تُعقد الجمعية الثانية في يونيو لانتخاب مجلس إدارة جديد بعد نهاية دورة المجلس الحالي، الذي يقوده هشام السوباط ونائبه محمد إبراهيم العليقي.
وتؤكد هذه المحطات أن الهلال، منذ تأسيسه على يد قباني ورفاقه، ظل وفيًا لنهجه الديمقراطي، محافظًا على إرثه التاريخي، وسائرًا على خطى رواده، في تجسيد حي لقيم المؤسسية والتجديد، بما يضمن استمرارية النادي كواحد من أبرز الكيانات الرياضية والوطنية في السودان.









