هلال وظلال
عبد المنعم هلال
ـ الهلال أكبر من أي زول، وأقدم من أي رئيس، وأعمق من أي مجموعة بتفتكر إنها ماسكة مفاتيح النادي براها، لكن المشكلة الحقيقية البتواجه الهلال من سنين طويلة إنو النادي ظل مربوطاً بالأشخاص أكثر من ارتباطه بالمؤسسات.
ـ كل فترة يطلع شخص يدعم ويصرف ويقرر ويتحكم، وبعد شوية الهلال يدخل في دوامة جديدة اسمها: (البعدو منو؟).
ـ وتخرج علينا بين فترة وأخرى نغمة (مديونية فلان على الهلال)، وكأن النادي أصبح شركة خاصة تُدار بالحسابات الشخصية والديون الفردية، لا مؤسسة رياضية يُفترض أن تقوم على الشفافية والنظام والاستدامة. فكلما اشتعل الخلاف أو تبدلت المواقع، فُتحت دفاتر الصرف والتبرعات، وتحول الحديث من مصلحة الهلال ومستقبله إلى من دفع أكثر ومن يملك الفضل الأكبر، وهنا تكمن الأزمة الحقيقية، لأن النادي الكبير لا ينبغي أن يبقى رهيناً لأموال الأفراد ولا أسيراً لمنطق: (دفعتُ لذلك أتحكم). فالهلال أكبر من أن يُختزل في أرقام أو يُربط بأشخاص مهما كانت مساهماتهم ودعمهم.
ـ الهلال ما فقير جماهيرياً، وما ضعيف تاريخياً، وما ناقص قيمة رياضية، لكن أحياناً يُدار كأنه مشروع خاص تابع لأفراد، وليس كياناً قومياً لديه ملايين المشجعين، ودي واحدة من أكبر الأزمات البتعطل استقرار النادي وتخلي كل إنجاز مؤقت، وكل انتصار مربوط باسم شخص بدل اسم المؤسسة.
ـ من زمان الهلال عاش على نفوذ الرؤساء والأثرياء والداعمين. أي رئيس يجي يبدأ الناس يربطوا النادي بيهو شخصياً: (سايقا صلاح ويا كردينال واصل سيرك، ما بندور رئيس غيرك، ونهر السوباط الذي لا ينضب… إلخ). وفلان عمل، وفلان دفع، وفلان جاب اللعيبة، وفلان سجّل، وفلان بنى الجوهرة الزرقاء، وفلان هبة الله من السماء. وبعد داك تتحول الجماهير لمعسكرات تدافع عن الأشخاص بدل الدفاع عن الهلال. وأي انتقاد للإدارة يبقى كأنك انتقدت القبيلة أو العائلة، وده الخطر الحقيقي، لأن النادي البقوم على الأفراد، بسقوط الفرد بيهتز، وأي خلاف شخصي داخل المجلس ممكن يتحول لأزمة تهدد الفريق كله. شفنا دا في أزمات متكررة داخل الهلال، من صراعات الإدارات إلى قرارات الشطب والتسجيلات، وحتى الأزمات مع الجماهير واللاعبين.
ـ الهلال محتاج يتحرر من فكرة (الرئيس المنقذ). النادي الكبير المفروض تكون عندو مؤسسات واضحة، وإدارة محترفة، واستثمار، ورعاة، وقطاع جماهيري مساهم، وشفافية مالية، ومشروع طويل المدى، ما مربوط بمزاج شخص أو قدرته المالية.
ـ للأسف، جزء من جمهور الهلال ساهم بدون قصد في تكريس الأزمة دي. أي رئيس يصرف أموال كتيرة يتحول عند البعض إلى (خط أحمر)، حتى لو كانت في أخطاء واضحة، والنتيجة إنو النقاش الرياضي يتحول لعبادة أفراد، والهلال يبقى رهينة للولاءات الشخصية. مرة الناس ترتبط باسم رئيس، ومرة باسم لاعب، ومرة باسم إعلامي، ومرة باسم مجموعة مصالح، وفي النهاية الهلال ذاته يضيع وسط المعارك الجانبية.
ـ النادي الكبير ما مفروض يعيش على سياسة (الجيب المفتوح)، لأنو الجيوب بتتقفل في أي لحظة، والمؤسسات وحدها هي البتعيش. شوف الأندية العالمية الكبيرة، الأشخاص بيرحلوا لكن النظام مستمر، المدرب يجي ويمشي، الرئيس يتغير، اللاعب يعتزل، لكن المؤسسة ثابتة. أما عندنا، أحياناً الهلال يدخل موسماً كاملاً مربوطاً بمزاج إداري أو خلافات شخصية أو صراع نفوذ، وده البخلي الاستقرار غائباً رغم الإمكانيات الكبيرة والتاريخ العريق للنادي.
ـ لماذا يظل الهلال أسيراً للأشخاص؟
ـ الهلال لا يحتاج بطلاً فردياً بل مؤسسة كاملة، والسؤال المهم: متى يخرج الهلال من جيوب الأشخاص؟ يخرج يوم تكون عضوية النادي فعالة وحقيقية، ما مجرد أسماء وقت الانتخابات، ويخرج يوم يكون الاستثمار أقوى من التبرعات، ويخرج يوم تكون القرارات نابعة من لوائح ومؤسسات، ما من العلاقات الشخصية، ويخرج يوم الجمهور يشجع الهلال قبل الأشخاص، ويخرج يوم الإعلام الهلالي يناقش الأداء بعقلانية بدل صناعة الأصنام.
ـ الهلال ما ناقص جماهير، الهلال ناقص مشروع مؤسسي مستدام، لأن النادي البتعتمد قوته على فرد يضعف بغيابه، لكن النادي البتعتمد قوته على المؤسسة يظل واقفاً مهما تغيرت الوجوه، ودونكم المريخ وماذا جرى له عندما ابتعد الذي يُقال له: (الرئيس طوالي).
ـ وفي النهاية، الهلال لو داير يرجع لمكانته القارية الحقيقية ويستعيد هيبته بثبات، لازم يتحرر من عقلية (نادي الرئيس)، ويتحول فعلاً إلى (نادي الأمة الزرقاء). وقتها فقط الهلال حيطلع من جيوب الأشخاص ويدخل حضن المؤسسة.









