من العباسية إلى التاريخ.. حكاية أول حكمة سودانية
سبقت زمنها وكتبت التاريخ وتحدّت صمت الملاعب
منيرة .. صوت المرأة في قلب المستطيل الأخضر
ريادة لا تُنسى.. وإرادة كسرت القوالب
تفوقت في العدو ورمي الجلة وكرة السلة
عبد المنعم هلال ـ آكشن سبورت
في سبعينيات القرن الماضي، حين كانت كرة القدم تُدار بصافرةٍ رجالية خالصة، خرجت من حي العباسية بأم درمان فتاة نحيلة الجسد، صلبة الإرادة، تحمل في عينيها بريق التحدي. اسمها منيرة رمضان. لم تكن مجرد رياضية، بل كانت فكرة تمشي على قدمين؛ فكرة تقول إن المرأة السودانية قادرة على اقتحام أي ميدان.
ولدت منيرة رمضان أبكر محمد عام 1955م، ونشأت في بيئة شعبية بسيطة، لكن روحها كانت أكبر من الجغرافيا. عشقت الرياضة مبكراً: سباحة، وألعاب قوى، وكرة سلة، وكانت من أوائل السودانيات اللواتي نافسن في سباقات المئة متر ورمي الجلة، وشاركن في منتخب نسائي لكرة السلة. لكنها لم تكتفِ بالمشاركة، بل أرادت أن تقود. وفي عام 1975م دخلت عالم التحكيم، المجال الذي كان يُنظر إليه آنذاك كحصنٍ ذكوري مغلق. لم تخشَ صافرات الاستهجان، ولا نظرات الدهشة، ولا همسات الرفض. وقفت في وسط الميدان تدير مباريات الرجال في دوري الخرطوم بثقة الحكم العارف بالقانون، وبهيبة من يعرف أنه يكتب التاريخ.
كانت صافرتها تقول شيئاً أكبر من احتساب خطأ أو إعلان هدف؛ كانت تقول: (المرأة السودانية هنا، في قلب الحدث).
استمرت في التحكيم حتى عام 1980م، ثم اتجهت إلى العمل التربوي، فدرّست السباحة بجامعة الخرطوم، وأسهمت في اتحادات السباحة وألعاب القوى، وأسست لاحقاً معهداً للياقة البدنية. لم تكن رياضية عابرة، بل مشروع نهضة نسائية في زمن مبكر.
وفي 18 مارس 2021م، رحلت منيرة رمضان في مكة المكرمة عن عمر ناهز السادسة والستين عاماً. رحل الجسد، وبقيت الفكرة، وبقيت الصافرة تتردد في ذاكرة الرياضة السودانية.
ظلّ تحكيم كرة القدم طويلاً حكراً على الرجال، لكن العالم بدأ يسمع صافرة نسائية منذ أواخر ستينيات القرن الماضي، حين ظهرت الحكمات في أوروبا وآسيا، ثم توالى الحضور النسائي في القارات المختلفة.
من تركيا إلى رواندا إلى المغرب، صعدت نساء إلى منصات البطولات الكبرى، وأدرن مباريات في كأس الأمم الأفريقية وكأس العالم. كان الطريق شاقاً، لكنه لم يكن مستحيلاً.
غير أن اللافت أن السودان، رغم ظروفه الاجتماعية والاقتصادية، كان حاضراً مبكراً في هذه المسيرة عبر منيرة رمضان، وكأن المرأة السودانية أرادت أن تقول:
(لسنا على هامش التاريخ، بل في صدارته.)
ريادة تتجاوز الرياضة
وليست منيرة حالة استثنائية معزولة، بل امتداد لسلسلة طويلة من نساء اقتحمن كل الميادين. فالمرأة السودانية كانت من أوائل النساء في أفريقيا والعالم العربي دخولاً إلى التعليم العالي، والعمل العام، والبرلمان، وساحات الطب والهندسة والقضاء. وفي الرياضة، شاركت لاعبةً، ومدربةً، وإداريةً، وحكَمةً.
في مجتمع كثير التحديات، صنعت لنفسها مكاناً لا يُنتزع، قاومت القيود بالعقل، وهزمت التقاليد بالاجتهاد، وفرضت احترامها بالكفاءة. لم تنتظر من يمنحها الفرصة، بل صنعتها.
امرأة من طين
فحين نذكر منيرة رمضان، فإننا لا نذكر اسماً فحسب، بل نستدعي معنى الريادة، ونستدعي صورة المرأة السودانية التي تمشي ثابتة الخطى، لا يعيقها خوف، ولا يوقفها شك.
لقد أثبتت المرأة السودانية، في الرياضة كما في غيرها، أنها سبّاقة، متقدمة، ومتفردة. سبقت كثيراً من نظيراتها في دول عربية وأفريقية إلى تقلّد الوظائف والمهن والمواقع القيادية، وكانت دائماً في الصفوف الأولى، لا ترفع صوتها بالضجيج، بل ترفعه بالإنجاز.
سلامٌ على منيرة رمضان في عليائها، وسلامٌ على كل امرأة سودانية جعلت من الحلم حقيقة،
ومن التحدي فرصة، ومن الصافرة نشيداً للحرية.
المرأة السودانية ليست مجرد نصف المجتمع، بل هي قلبه النابض، وضميره الحي، ومستقبله الذي لا ينكسر.









