محمد صالح عبدالله يس
رحل اليوم قطعةٌ من القلب، لا مجرد صديق.
رحل ذاك الذي لم يكن صديق طفولة فحسب، بل كان أخاً لم تلده أمي، وجاراً لم تفصل بيني وبينه أبواب، وسميراً كان يملأ أيامي دفئاً وطمأنينة. عشنا معاً في حيٍ واحد، نتقاسم تفاصيل الحياة الصغيرة قبل الكبيرة، نكبر معاً خطوة بخطوة، وننسج من الأيام حكايات وأقاصيص حبلى بالخرافة والحقيقة. كنت أكبره بخمسة أشهر، كما قالت لي والدته الرابحة بت الشريف محمود.
دخلنا المدرسة في يوم واحد، كأنما كُتب علينا أن نبدأ الطريق معاً. تزاملت مع أبناء جيلي ودفعتـي، وجمعتنا بهم رفقة حميمة منذ أكثر من خمسين عاماً ويزيد، فأحببنا بعضنا، وعشنا طفولتنا بالطول والعرض، ولم تزل علاقاتنا متينة وصامدة. ولكن علاقتي بالفاضل كانت هي الأكثر تأثيراً في حياتي كلها، فقد كنا مثل التوائم، لا نفترق إلا لحظات. عندما نعود من المدرسة نذهب لتغيير ملابسنا، ونعود لنبدأ جولتنا واستئنافنا للهو واللعب. لم نترك جبلاً ولا حجراً في أم كدادة إلا وصعدناه، ولا شجرة إلا أمسكنا بفروعها ولحائها، ولا ميداناً ولا ساحة للعب إلا وضعنا عليها أقدامنا. لعبنا في رهودها وخيرانها، وشربنا من مياهها القذرة غير مبالين بأبوال الأبقار وروثها. تحلقنا حول مطبخ الخالة رابحة، نأكل من يديها قبل أن يستوي الطعام وينضج، لأننا مستعجلون ولدينا موعد مع سجالاتنا في جبل مدلتون لن نخلفه سوياً. كان يناديني ويخبرني أن والدته رابحة (رابحا، هكذا ينطقها بدون التاء المربوطة) قد أعدت طبقاً من الزلابية واحتفظت لنا بنصيبنا.
كان في قلبي كبيراً بحضوره، عظيماً بقربه، كأن العمر بيننا لا يُقاس بالسنين بل بالمحبة. وأذكر أن البروفيسور عبدالرحمن الزاكي، عند عودته من موسكو في إحدى إجازاته، أحضر لنا “تي شيرتات” من موسكو، ابتهجنا بها أيما بهجة، فقد كانت مرسوم عليها صورة الكرملين الروسي، فكنا مثل التوائم، لم نترك شارعاً من شوارع أم كدادة إلا وشوهدنا فيه ونحن نتبختر لزوم الفشخرة والتباهي بها. كان أقراننا هم الآخرون مبتهجين بها، وكثيراً ما لمسوها بأصابعهم ويتحسسون جمالها وجودتها.
مات الفاضل، ورحل بعيداً عن وطنه، عن مرتع طفولته، عن الأزقة التي حفظت خطواته وضحكاته. رحل غريباً في الأرض، لكن غربته لم تكن إلا في المكان، أما في قلوبنا فسيبقى حياً لا يغيب. طواه الردى عني، فأضحى مزاره بعيداً على قرب، وقريباً على بعد.
قبل أسبوع اتصل بي ابنه سفيان، وأخبرني عن حالته الصحية، وقال لي إنه ظل يغيب عن وعيه لفترات طويلة، وأُدخل إلى غرفة الإنعاش، تتناوبه أحياناً نوبة وعي تستمر لمدة نصف ساعة، ثم يغيب. وحدثني سفيان أن والده رفض بتر إصبعه، وحاولنا إقناعه أنا وعمتي فوزية بإجراء عملية البتر، سيما وأنها في الإصبع الصغير بالقدم، وليس أمراً صعباً، ولا يشكل أي خطورة على حياته، لكن محاولاتهم لم تنجح. فأرسلت ثلاث رسائل صوتية للفاضل، أعدت له شريطاً من الذكريات، علها تحيي فيه موات الأمل، وتوقظ بين برديه حنين تلك الأيام التي قضيناها هنالك.
أمس، وفي المساء، كنت أراجع في ملف الأستاذ إمام زين العابدين، وأعالج في تصحيح بعض المعلومات التي وصلتني، وكنت قد فتحت عدداً من النوافذ، من بينها نافذة عمنا سكينجو. ودون سابق إنذار تذكرت الأخ الفاضل، وسرحت بعيداً، فإذا بهاتفي يرن، فأهملته وعدت إلى مراجعتي، فرَنَّ الهاتف مرة أخرى، فقد كان بعيداً عني، فنهضت، وظهر لي اسم المتصل حسين موسى. فأصابني اضطراب شديد، وفتحت المكالمة، وحياني بصوت متهدج، علمت أن هناك أمراً جللاً جمع حسين تلابيبه، وأبلغني خبر وفاة الأخ الفاضل. أغلقت الهاتف مع أذان العشاء مباشرة، كأنما هنالك من يقول لي: الله أكبر، فرددت معه: الله أكبر، ولله ما أعطى وما أخذ.
كان حضوره خفيفاً على القلب، عميقاً في الأثر، صادقاً في المودة. إذا ضحك أضحكنا، وإذا حضر حضر الأنس، وإذا غاب ترك فراغاً موحشاً لا يُحتمل.
خطفه الموت على حين غفلة، جلطة في القلب أوقفت نبضه، لكنها لم توقف وجعه فينا، ولم تُسكت نداءه في ذاكرتنا. كيف يغيب من كان جزءاً من العمر؟ كيف يُنسى من كان يسكن تفاصيل تلك الأيام في وجداننا؟
أخي أبا سفيان، لم يكن رحيلك عابراً، فقد أخذت معك جزءاً من أرواحنا، وتركتنا نواجه رزءاً ثقيلاً تنوء بكلكله الراسيات. تركت فينا ألماً يوجع، وذكرياتٍ تفيض كلما حاولنا أن نتماسك.
تركت خلفك زغباً صغاراً، عيونهم تبحث عن وجهه، وقلوبهم الصغيرة لا تدرك معنى الفقد، ولا لماذا تأخر بابا هذه المرة ولن يعود. تركتهم وتركت في القلب حسرة لا تُقال، وجرحاً لا يندمل مهما حاولنا. تركت حسرة على وداعٍ لم يكتمل، وعلى كلامٍ كثير لم يُقَل، فأحاديثنا لم تكتمل بعد.
وكنت أمني نفسي أن نلتقي على دروب كان يجب أن نمشيها معاً في أمكدادة حتى النهاية، ولكن الأيام انقضت وتدحرجت بك إلى ذلك العالم الذي لم تصله الأقاويل.
الفاضل، يا ابن أمي، يا صديقي، يا أخي، نم قرير العين، فقد كنت طيب السيرة، نقي السريرة، جميل الصحبة. تركت فينا ألماً عظيماً، لكنك تركت أيضاً أثراً لا يُمحى، ومحبة ستبقى ما بقيت الأرواح.
رحل الفاضل، وبقي أثره في الذاكرة، في الرفقة، في الأزقة القديمة، في ضحكات الصبا. باقية ذكراه ما دامت السماوات والأرض.
تعازينا لآل الزاكي صالح، ولأبنائه وزوجته، ولأصحابه وأصدقائه ومعارفه.
الفاضل، ارقد بسلام في تلك الرحاب الطاهرة، فأنت من اخترت أن تكون مكة لجسدك ديماس وقبرًا.









