(تيارات)
إبراهيم العمدة خوجلي
الحرب التي أبعدتنا عن أهلنا ناس الدخينات العوامرة ومواصلاتنا بالقطية… تتفرتق بندقية بندقية!!
القطية… مظلة ركاب ناس الجزيرة… أفطس العوامرة… والعقليين بالدخينات العوامرة!!
(سافر، ففي الأسفار خمس فوائد: تفرّج هم، واكتساب معيشة، وعلم، وآداب، وصحبة ماجد)… هكذا أخذناها من معلمينا وحفظناها.
يبدو أن أهلنا أخذوا هذه الحكمة مأخذ الجد، وتعاملوا معها بكل حرفية ومهنية، فتفرقوا يمنة ويسرى بحثًا عن تلك الفوائد الخمس أو جزء منها…
وسفرنا الذي أنا بصدده سفر قريب، ما بركبوا له بواخر ولا طائرات،
سفر أطراف بندر (الدخينات العوامرة)، أهل ونصف مكمل لأهلهم ناس أفطس العوامرة والعكس،
يتوافدون إليهم مجيئًا وذهابًا بالبكاسي والكريزات…
أها نجي للمحطة القطية، أو (المظلة) كما يحلو تسميتها، ومنها تكون نقطة الانطلاق لخرطوم ود اللمين، حيث الرزق الحلال والاستقرار والعلاج، وكل ما يلزم، حالهم حال كل أبناء السودان بالولايات.
المظلة دي، يا خوانا، على الشارع الرئيسي بالدخينات، تُعد معلماً بارزاً، يصلها القادم من أصقاع جزيرتنا تحديدًا بالوصف فقط.
مظلة أضحت تجمعاً ورابطاً قوياً ومحور تواصل، بمد جسور الحنين لهؤلاء المسافرين الذين تعج بهم…
ديل واصلين، وديلاك مغادرين، والبكاسي والكريزات صفوف آخر تباهي بين السواقين، وابنصيات وتسخين…
أي والله، ده كله أمام مظلة لا يتعدى محيطها (5م × 5م)، تجد تجمعاً عفوياً جميلاً من كافة أنحاء الجزيرة: عوامرة، وعقليين، وغيرهم… فيهم من يحضر يومياً، ومنهم من تمنعه ظروف عمله فيكتفي بنهاية الأسبوع…
تجدهم في قمة السعادة والانبساط، وهم يتبادلون النكات والقفشات وأخبار السفر: فلان داك بايت هنا، وفلانة ديك العربية مارقة، شوفوها مشت وين، دخلت الحلة ما جات، ما تفوتوها… وكذا تفاصيل…
تجدهم وقت اللمة الصباحية وهم متأهبون للعودة، وكمان القادمون قبل أن ينحّوا زاوية في مقاعدهم بوسائل النقل هذه… ماسكين نوعية معينة من المواضيع…
يتعاطون السياسة والأوضاع في السودان عامة، والبلد خاصة، المشاريع، الزراعة… كما أنهم يتناقشون أيضاً في الرياضة والكورة، وهؤلاء لهم وضعية خاصة، لأنه غالباً ما تتعالى أصواتهم ويحتد النقاش قليلاً فيما بينهم… وتلاقي فيهم ناس شغالين تعليقات… تعليقات وما عندهم شغلة غيرها…
وبعضهم كبار سن لا يجيدون القراءة والكتابة، فيهم من تعلم قليلاً في الخلاوي، ومنهم من ساعدته الظروف فتلقى قليلاً من التعليم، ولكنهم، كما يقولون بكل عفوية، درسوا وتعلموا من هذه الحياة ما لم يتعلمه الخريجون!!
يقارعون بكل ثقة هؤلاء المتعلمين، وإن لم يكتمل النقاش، ففي الطريق يتواصل، لا تقطعه طقطقة كمساري أو من يجمع قيمة المشوار غيره، ولو تضايق من تأخيرهم صاح فيهم: خلصونا يا جماعة!!
نعم، دي لمحة عن المظلة بالدخينات العوامرة، وإيقاع أهلنا الغبش المتفردين، ومحطتهم للسفر… وتجنبت صراحة التطرق للأسماء، لا تجاهلاً، ولكن لأن الذاكرة تختزن الكثير من هؤلاء، أخشى النسيان، لذا لم أورد ذكر أي اسم…
ولا أخفيكم بأن الفكرة تراودني كثيراً للعودة لهذه المظلة بصورة أوسع، بالذات حركة الركاب في فصل الخريف، وتمنع ناس بوكسي كريز، والتلويح بقيمة التذكرة، وأنو المطرة هناك تقيلة، والسحابة قاجة فوق راسنا، يمكن تعاود هطولها من جديد…
تدفعوا نتحرك، ولا أخير لينا نبيت… والكثير المثير…
وقبل هذه العودة، نتمنى أن ينعم البلد بالأمن والأمان، وتعود الدخينات بأهلها أفضل مما كان، ويعود تواصل أهلنا ناس أفطس كمان…
غداً نعود كما نود… وتزول، يا وطني، الكروب!









