بوح الحبر
د. الحبر عبد الوهاب
الطريق من البجراوية إلى كبوشية لا تبدو عليه الخضرة التي رأيناها ونحن نغادر الدامر. كبوشية تبدو من بعيد بيوتا متفرقة على يمين الطريق الموصل إلى شندي. مدينة عريقة لدي فيها أصدقاء جمعتني بهم الغربة. ثم بدأت الخضرة تكتنف الطريق الذي وضعت على جانبيه جوالات البصل المعدة للبيع. جوالات لامتلائها يكاد بصلها يقفز من (فواماتها) وخشومها! وهناك غربا، بعيدا عن طريق التحدي هذا، يجري النيل في صبر وحكمة، قاصدا مصر في رحلة تعجز عنها إبل الرحيل. ثم لاح لنا مدخل (المسيكتاب)، ثم شندي فشممت رائحة الخرطوم ورددت قول شوقي:
ويا وطني لقيتك بعد يأس… كأني قد لقيت بك الشبابا
ثم رجونا السائق أن يكون إفطارنا في شندي بلد المك، وطلب منه أحدنا أن يعرج بنا على حمام (ترويش) حتى يزيل عنه غبار الطريق ويغير ملابسه استعداداً لملاقاة مخطوبته وأهلها! وكان له ما أراد، ولنا ما أردنا، فبعد أن تجاوزنا مدخل شندي وواصلنا طريقنا جنوباً توقف بنا السائق عند مطعم على يمين الشارع، وهناك تناولنا فطورنا جماعة، أتبعناه بالشاي والقهوة، ثم جمعنا (الشيرينق) ٦ آلاف جنيه سوداني للفرد، وولج العريس المرتقب حماماً متواضعا لم يعد للترويش، فخرج كما دخل مغبرا.. كما علق أحد ظرفاء الرحلة.
بعد الإفطار جئنا بانقا، ونظرت شرقا حيث تقع النقعة والمصورات. معالم أثرية ثرية لم يرها ولا يعرفها معظم السودانيين، لكن وثّقها ودوّنها الرحالة الأوروبيون الذين جاؤوها قبل قرون ووجدوا فيها رموزا وتماثيل لأسود وأفيال وحيوانات برية لا تعيش إلا في المناطق الاستوائية، في دلالة على أن هذه الأراضي شبه الصحراوية كانت ذات يوم غابات استوائية، يجري فيها نهر (الهودي) الذي قامت حضارة مملكة كرمة وكوش على ضفتيه قبل أن يصب في النيل قريباً من بانقا، ثم أصبح فيما بعد يُعرف بوادي العوتيب، الذي يفيض في الخريف نهرا، ليؤكد أنه كان يوماً ما ينحدر من أعالي النيل الأزرق ثم يسلك مجرى ترعة كنانة والرهد التي كان مقترحا حفرها في عهد الحكومة السابقة ويتجه شمالا ليسقي سهل البطانة قبل أن يغير وجهته غربا ليعانق النيل هنا.
بعد وادي العوتيب الواسع جئنا (حجر العسل)، وهناك بدأت تظهر لنا مخلفات الحرب الضروس التي جرت في هذه البقاع التي خضبتها أطيب الدماء ليبقى الوطن عصيا على عصابات الارتزاق!.











