بلا ميعاد | عوض أحمد عمر
- لم تعد الهزائم الثقيلة التي تعرض لها منتخب سيدات السودان لكرة القدم مجرد نتائج تندرج ضمن حسابات النصر والهزيمة، ويمكن تبريرها بفارق الإمكانات أو ضعف الإعداد، بل أصبحت حدثاً مقلقاً يمس سمعة السودان ويثير أسئلة مشروعة حول طريقة إدارة كرة القدم في البلاد.
- ما حدث لمنتخب السودان للسيدات أمام كينيا في بطولة سيكافا بتنزانيا، بعد استقبال ستة عشر هدفاً خلال إحدى وستين دقيقة فقط قبل توقف المباراة، ليس سوى حلقة جديدة في سلسلة طويلة من الإخفاقات التي باتت العنوان الأبرز لاتحاد الكوارث.
- هذه النتيجة الكارثية جاءت بعد أيام من فضيحة أخرى، عندما تلقى منتخب السودان للسيدات هزيمتين ثقيلتين أمام جزر القمر بمجموع ثلاثين هدفاً دون مقابل.
- ويبقى من الظلم تحميل هؤلاء الفتيات مسؤولية ما حدث، لأن اللاعبات لم يضعن برامج الإعداد، ولم يخترن توقيت المشاركة، ولم يتخذن قرار خوض منافسات تتجاوز مستوى جاهزيتهن الفنية والبدنية.
- لقد ارتدين شعار السودان ودخلن الملعب لأداء واجب وطني، بينما كان يفترض أن تقوم الجهات المسؤولة بحسن الاختيار من خلال منافسة حقيقية ومنتظمة، ومن ثم توفير الحد الأدنى من الإعداد الذي يحفظ كرامتهن ويحمي اسم البلاد من هذا المشهد المؤلم.
- المشكلة الحقيقية أن هذه النتائج لم تعد شأناً فنياً داخلياً يخص اتحاد الكرة وحده، بل تحولت إلى قضية رأي عام.
- فعندما يصبح اسم السودان مقترناً بالهزائم القياسية والانهيارات المتكررة في البطولات الإقليمية، فإن الضرر يتجاوز حدود الملعب ليصيب صورة الدولة نفسها أمام محيطها القاري والإقليمي.
- ومن هنا يبرز السؤال المهم: أين المحاسبة؟ ومن الذي أجاز مشاركة منتخب بلا نشاط وبلا توفير الحد الأدنى من العناصر الفنية في بطولة رسمية دون إعداد كافٍ؟ ومن الذي اقتنع بأن مجرد الوجود في المنافسة أهم من الظهور المشرف؟ ومن الذي يتحمل مسؤولية تكرار المشهد نفسه مرة بعد أخرى دون أن نسمع عن مراجعة أو تقييم أو مساءلة؟
- الأكثر إثارة للقلق أن كثيراً من المراقبين باتوا يتساءلون عن حجم الضرر المعنوي والنفسي لهذه المشاركات التي تتم بدافع استيفاء المتطلبات الشكلية المرتبطة ببرامج الدعم والتطوير، بهدف الحصول على الدعم المالي الذي يدخل خزائن الاتحاد.
- ما قيمة الدعم المالي من دون وجود مشروع رياضي حقيقي خاص بكرة القدم النسائية؟
- فالدعم المالي وُجد لبناء القواعد وتطوير المنتخبات وصناعة المنافسة، لا لإرسال فرق غير جاهزة إلى البطولات ثم تركها تواجه مصيراً محرجاً أمام الجميع.
- إن كرة القدم النسائية تستحق كل أشكال الدعم والرعاية، لكن دعمها لا يكون بإلقاء اللاعبات في مواجهات غير متكافئة، ولا بتحويلهن إلى ضحايا لقرارات إدارية متعجلة.
- فالغاية من التطوير هي بناء منتخبات قادرة على المنافسة المشرفة، لا تسجيل حضور شكلي ينتهي بنتائج مؤلمة تسيء إلى اللاعبات قبل أن تسيء إلى المسؤولين، ومن قبلهم جميعاً إلى الوطن.
- ما حدث أمام كينيا هزيمة مذلة لمنتخب يحمل اسم الوطن، وتأكيد على هزيمة فكر إداري كامل ما زال يعتقد أن الأزمات يمكن أن تمر بلا حساب، حتى في ظل استمرار صمت الدولة.
- أين وزارة الرياضة من هذا العبث؟ وما هو دورها الآن في حماية ما تبقى من سمعة الكرة السودانية؟ ولماذا لا تقوم بفتح تحقيق عاجل وشفاف يكشف للرأي العام كيف تشكل المنتخب، وكيف أُعد، ومن اتخذ قرار المشاركة، ومن يتحمل مسؤولية هذه الكارثة؟ أم أن دور وزارة الرياضة بات محصوراً في متابعة وصول نجيل استاد الخرطوم؟ هل هناك بؤس وشقاء أكثر من هذا؟
▪️ آخر الكلم ▪️
- لعل الجانب الأكثر إيلاماً أن هذه المشاهد لا تضر بكرة القدم وحدها، بل تترك آثاراً اجتماعية ونفسية سلبية على نظرة المجتمع إلى الرياضة النسائية وإلى مشاركة المرأة في المنافسات الرياضية.
- فحين تظهر الفتيات بهذا القدر من الضعف والانكسار نتيجة فشل إداري لا علاقة لهن به، فإن الضرر يمتد إلى صورة الرياضة النسائية نفسها، ويمنح خصومها ذرائع إضافية للتشكيك في جدواها ومستقبلها.
- ولهذا فإن القضية لم تعد قضية أهداف ونتائج فقط، بل قضية كرامة وطن، وحقوق لاعبات، وسمعة رياضة تستحق إدارة أكثر وعياً ومسؤولية.
- وما لم تُفتح ملفات الإخفاق بشجاعة وشفافية، ويُحاسب المقصرون أياً كانت مواقعهم، فإن ما حدث أمام كينيا لن يكون النهاية، بل مجرد محطة جديدة في مسلسل طويل من الانهيار والفشل.
- سؤال أخير: هل سمع رئيس مجلس الوزراء المحترم بما حدث لمنتخب سيدات السودان؟ أم أنه اكتفى بالاطلاع على تقرير وزير الرياضة الهمام بشأن متابعة وصول نجيل استاد الخرطوم؟
Omeraz1@hotmail.com













