كشف خفايا البرنامج الرمضاني في حوار الأسئلة الساخنة مع آكشن سبورت

لا توجد أي مجاملة أو محاباة في اختيار الفنانين
غير صحيح أنني أقلد السر قدور، وهذا انطباع يظلمني
من يشتكون الإعلانات يتجاهلون تكلفة الإنتاج
البرنامج لم يوجّه بمنع المشاركين من الإنتاج الخاص
هناك مستشارون وخبراء ليس بالضرورة الإعلان عن أسمائهم
حوار ـ أحمد نصر
على مدى نحو خمسة عشر عامًا ظل برنامج (أغاني وأغاني) الذي تنتجه قناة النيل الأزرق وكان يقدمه الراحل السر قدور، من أهم البرامج التي تحظى بالمتابعة والمشاهدة، وهو يوثّق لأغنيات كبار الفنانين. كما ظل طيلة استمراره يتعرض للعديد من الانتقادات في حياة قدور وبعد رحيله.
وعقب رحيله أوكلت إدارة القناة تقديم البرنامج للناقد والباحث الأستاذ مصعب الصاوي، الذي التقيته وطرحت عليه ما يُوجَّه من انتقادات للبرنامج، فكان رده هادئًا وواضحًا عند ما وضعت أمامه الأسئلة.
- قلت له: قبل أن تكون مقدّمًا لبرنامج (أغاني وأغاني) كيف كنت تراه كمشاهد؟!
كنت أستمتع كغيري به، فهو أكثر من برنامج تلفزيوني، بل طقس رمضاني متكامل يُضاف إلى الطقوس الرمضانية الاجتماعية والترفيهية في هذا الشهر الفضيل.
بالنسبة لي، كان البرنامج يعرّفني في كل نسخة بالجديد في عالم الغناء والموسيقى من خلال نجوم البرنامج، الذي كان وما يزال أضخم محتوى لصناعة الفنون، بمعنى أنك تشاهد من خمسة إلى ستة أعمال غنائية يوميًا على مدى شهر كامل، بمواصفات وجودة تقنية عالية، مع فيض من المعلومات عنها سواء من مقدم البرنامج أو ما يُكتب على الشاشة أثناء الأغنية توثيقًا لمبدعيها.
وبذلك يكون المشاهد أمام مزيج فريد ومتناسق من الترفيه والمتعة والمعرفة.
- عندما طُرحت عليك فكرة التقديم، كيف كان رد فعلك؟ ما الذي طاف بذهنك وقتها؟!
حقيقة، لم أتردد في قبول هذا التكليف، وقد سبق أن كلفتني إدارة القناة من قبل بتقديم برنامج (أغنيات من البرامج)، الذي سبقني لتقديمه عدد من الزملاء، وكان كل واحد منهم له أسلوبه وبصمته.
وأعترف أن ما أسعدني حقًا هو ثقة إدارة القناة في شخصي، وليس فرحي بتقديم البرنامج، خاصة أنني ظللت أصلًا أُقدّم عددًا من البرامج بقناة النيل الأزرق منذ تأسيسها، وتكليفي بإدارة المحتوى أمر طبيعي اعتدت عليه.
هذا لا يعني بالطبع أنني الأفضل، فداخل القناة وخارجها يوجد من هو أفضل مني، لكنها تقديرات الإدارة وأنا أتفهمها وأقدرها، لذلك كانت استجابتي طبيعية.
- حدثنا عن مشاعرك بعد أول حلقة قدمتها من (أغاني وأغاني).. ؟
إحساس جميل، وأنا ألتقي بزملاء أعزاء عملت معهم سنوات طويلة: فنيين، ومصورين، ومهندسي صوت وديكور وغيرهم.
لأول مرة ألتقيهم في مكان وموقع واحد. كذلك أسرة قناة النيل الأزرق إدارةً وعاملين.. كنت ألتقيهم داخل القناة، كلٌّ في مكتبه أو موقع عمله، إلا أن البرنامج أتاح لي أن ألتقيهم جميعًا في عمل مشترك.
ولم يكن يعمل معي فريق البرنامج فقط، بل كل أسرة القناة.
وبالطبع، الفنانين والموسيقيين أعرفهم فردًا فردًا، كما أن أجواء البروفات أتاحت لي معايشة أجواء الأغاني أكثر.
- ما هو ردّك على اتهام أن اختيار الفنانين في البرنامج تصاحبه بعض المجاملات؟!
المشكلة هي هذا السقف المعياري الذي يضعه الناس لما يُقدَّم فيه.
حتى بالنسبة للفنانين أنفسهم، فالبعض منهم يعتقد أن عدم اختياره تقليل من شأنه كفنان، أو أن القناة تستهدفه.
وإذا غاب فنان عن موسم من مواسم البرنامج، فهذا لا يعني أن مستواه قد تراجع.
وأحب أن أؤكد أنه ليست هناك أي مجاملة في الاختيار، لأن إدارة القناة حريصة على جودة المحتوى، ولا مصلحة لها في مجاملة أو تمييز دون وجه حق، وكذلك أسرة البرنامج.
- البرنامج يعتمد على أغاني كبار الفنانين، وهو يواجه نقدًا متواصلًا بأنه يدفع الأصوات الشابة إلى عدم الإنتاج الخاص والتركيز على التقليد؟!
هذا الحديث تكرر ويتكرر دائمًا، وهو غير صحيح.
فالبرنامج لم يصدر توجيهًا يحظر على من يشارك فيه أن لا يكون له إنتاجه الخاص.
الغالبية العظمى من الفنانين الشباب الذين شاركوا في (أغاني وأغاني) يمتلكون أعمالًا غنائية خاصة بهم.
وسبق للبرنامج في عدد من حلقاته أن قدّم لمجموعة منهم أغنياتهم الخاصة بعد توافقها وانسجامها مع مضمون تلك الحلقات.
وأقول لك إن البرنامج له هويته وطابعه الوثائقي، وحكاية التكرار غير واردة في مجال الفنون أصلًا.
واسأل مثلًا: هل خلود أعمال الكاشف وتقديمها تكرار؟! الموسيقى حالة لا زمنية.
لوحة الرسام الإيطالي دافنشي (الموناليزا) ظلت خالدة تعيش بيننا رغم تعاقب القرون.
لذلك ظلت أعمال الرواد من الفنانين باقية حية خالدة، محتفظة بجمالها وحيويتها كل هذه السنوات الطويلة.
- إذا قلت لك إن هناك رأيًا يقول إن البرنامج تراجع ولم يعد كما كان في أول سنواته، فماذا تقول؟!
بالعكس، تضاعفت نسبة مشاهدته، ومؤشرات القياس موجودة وموثقة تقنيًا.
وحدة قياس (أغاني وأغاني) هي الأصل والمرجعية.
ودعني أقول لك إننا لسنا مشغولين بالمغالطات حول من هو الأكثر مشاهدة، بقدر اهتمامنا وتركيزنا على تجويد ما نقدمه.
- هناك اقتراح أن يكون للبرنامج فريق عمل من باحث وموسيقي وناقد وفنان كبير.. ما رأيك؟!
هناك بالفعل فريق عمل، لدينا خبراء ومستشارون، وحتى داخل الفرقة الموسيقية توجد شخصيات مرجعية في «التنويت» وحفظ الألحان.
وهذا المجهود يتم أثناء صياغة العمل، وليس بالضرورة نشر أسماء هؤلاء الخبراء والمستشارين الذين يساهمون في البرنامج.
كل من يقدم معلومة مفيدة هو بالضرورة محل تقدير عندنا.
- المشاهدون يشتكون من كثرة الإعلانات، والبعض يقول إن هناك اهتمامًا وتركيزًا كبيرًا عليها.. ما رأيك؟!
الإعلانات مؤشر إيجابي للمشاهدة، وكذلك الرعاة الذين ظلوا يؤمنون ببرنامج (أغاني وأغاني).
نجاح أي برنامج هو الذي يجذب إليه المعلنين، لأنه يساهم في الترويج لهم، والمعلن بالطبع يبحث عن البرامج الناجحة ليعلن من خلالها، ليضمن نجاح الترويج لما يريد الإعلان عنه.
كما أن من يحتج على كثرة الإعلانات عليه أن يسأل: كيف تُؤمّن القناة تكلفة الإنتاج العالية؟!
- قلت له: لنفترض أنه بعد 20 أو 30 عامًا يُقدَّم (أغاني وأغاني).. ماذا سيُقدَّم وقتها في ظل عدم توفر أغنيات اليوم التي تماثل أغنيات كبار الفنانين جودةً وجمالًا؟!
هذا سؤال افتراضي، لا يعلم أحد ماذا سيحدث بعد عقدين أو ثلاثة في المستقبل.
وأنت تعلم أن جيلنا يختلف عن هذه الأجيال.
نحن جيل تعلمنا في المدارس بصورة جيدة ومميزة مما يُسمّى بالتعليم المحسوس.
كل شيء أمامك حي يتفاعل: الأستاذ، السبورة، الطباشير، حصة الأعمال، الجمعيات الأدبية، كرة القدم، والمناشط الثقافية والاجتماعية والرياضية المتنوعة.
حتى أجسامنا كانت قوية ومتماسكة لأننا نخرج ونلعب ونتفاعل مع الحياة والمجتمع بشكل حي ومباشر.
أنا مثلًا أبنائي في الجامعة لا يذهبون إلى المكتبة كما كنا نفعل، فكل شيء متوفر لهم على الشاشات والكمبيوتر، لذلك يقضون معظم أوقاتهم – للأسف الشديد – خلف الشاشات.
لذلك أتوقع أن تتأثر الفنون بعالم التكنولوجيا، وأخشى ما أخشاه أن تفقد هذه الأجيال ارتباطها العميق الجميل بهويتها وموروثها السوداني الأصيل.
- هل يوجد اتجاه لإضافات جديدة ضمن إطار الفكرة؟!
هذا سؤال يتكرر في كل موسم من البرنامج، وفي ظني أن هذا هو سر وسحر البرنامج والاهتمام به.
فهو في كل موسم جديد يملأ الدنيا ويشغل الناس مثل إبداع المتنبي، لا ينفك الناس عن الجدل حول فنه وعبقريته.
شخصيًا لا أعتقد أنه مطلوب مني تغيير هوية البرنامج بالكلية بعد أن أصبح من ثوابت قناة النيل الأزرق، وله تصميم محدد وتصور فني خاص.
في تقديري أن محتواه يتجدد كل عام، لأن الموضوعات تتغير، والأغاني ليست هي ذاتها، حتى إذا تكررت؛ فإن شكل الأوركسترا والمطرب والتنفيذ تتغير.
لذلك فإنه في كل موسم يتم تقديم محتوى جديد ومغاير لما سبقه.
وأقول لك إنني شخصيًا لا يزعجني الحديث عن البرنامج.
ما يزعجني حقًا هو الصمت والتجاهل، لأن توقف النقد يعني ببساطة أن ما أقدمه غير مؤثر.
- من عناصر جاذبية (أغاني وأغاني) الأداء الدرامي للراحل السر قدور وضحكته المميزة.. هل تتوافق مع هذا القول؟!
الأستاذ قدور – أسأل الله له الرحمة والمغفرة والعتق من النار – لم يكن مقدم برنامج فقط، بل شاهد عصر على كثير من الأحداث والمواقف الفنية.
وهو كمقدم برنامج يتميز بحضور جميل من خلال معلوماته وسجيته وعدم تكلفه، وإذا كان في تقديمه بعض الدراما؛ فهو في بدايات مشواره كان له إسهاماته الدرامية الإذاعية كاتبًا لعدد من التمثيليات الإذاعية، وقام بأداء بعض الأدوار فيها كممثل أيضًا.
أما ضحكته فهي نابعة من أعماق طيبة شفافة، ولها إيقاعها وجاذبيتها إضافة إلى حيويته وخفة دمه.. وجميعها شكلت مع حضوره قبولا حيويا عند المشاهد .
- ما صحة الحديث عن أنك تحاول تقليده في بعض جوانب أسلوبه؟!
من قبل، كلفتني إدارة القناة بتقديم البرنامج الناجح (أغنيات من البرامج) خلفًا للزميل شيبة الحمد، ونجحت – والحمد لله – في أن يواصل البرنامج مسيرته دون أن أستصحب معي أسلوب الزميل شيبة في التقديم.
صحيح أنني كنت أحد المعجبين بأسلوب وطريقة تقديم قدور، إلا أنني لم أفكر أبدًا في تقليده، لأنني أدرك أن استنساخ الأسلوب والطريقة يقود بالضرورة إلى الفشل، إذ لا يمكن استنساخ بصمة مبدع لأنها بصمة حصرية له.
يمكن أن أعجب وأتأثر وأستفيد دون الوقوع في فخ التقليد.
وفي تقديري أن محاولة وضعي معه في مجرد مقارنة فيها ظلم وتجَنٍّ على قدور، فهو أستاذ كبير وخبير، وأنا ما زلت أتلمس طريقي.













