كمال إدريس
لم تعد قضية إدمان الأطفال والمراهقين للإنترنت مجرد نقاش تربوي عابر، بل تحوّلت إلى معركة عالمية مفتوحة داخل كل بيت. من غرفة النوم إلى مقاعد الدراسة، باتت الشاشات تحاصر الجيل الجديد، لا كوسيلة معرفة فحسب، بل كبيئة مصممة بعناية لجذب الانتباه… واحتجازه.
في مارس 2026، شكّل الحكم القضائي التاريخي ضد شركتي Meta وYouTube نقطة تحوّل، حين خلصت هيئة محلفين أمريكية إلى أن هذه المنصات صُممت عمدًا لتكون مُسببة للإدمان، وأنها ساهمت في إلحاق الضرر بالمستخدمين الشباب. هذا الحكم لا يدين شركات بعينها فقط، بل يسلّط الضوء على نموذج اقتصادي كامل يقوم على “اقتصاد الانتباه”.
الأرقام الصادمة تبين أن: 97% من المراهقين يستخدمون الإنترنت يوميًا، و40% منهم متصلون بشكل شبه دائم. منصات الفيديو القصير مثل تيك توك ويوتيوب تتصدر المشهد، مدعومة بخوارزميات ذكية تُغذي المستخدم بمحتوى لا ينتهي. والنتيجة؟ نصف المراهقين تقريبًا (45%) يعانون من اضطرابات في النوم، بينما يرى 40% أن هذه المنصات تضر بإنتاجيتهم، و22% يؤكدون تأثيرها السلبي على تحصيلهم الدراسي.
لكن الخطر لا يتوقف عند حدود الوقت الضائع. نحن أمام جيل يُعاد تشكيل وعيه عبر محتوى مُفلتر، وأحيانًا مُزيّف. فبحلول 2026، تضاعفت حوادث المحتوى المرتبط بالذكاء الاصطناعي عشر مرات، مع انتشار “التزييف العميق”، حتى أن واحدًا من كل 17 مراهقًا تعرّض لمحتوى مفبرك. وفي عالم لا يستطيع فيه البالغون التمييز بين الحقيقي والمصطنع بدقة تتجاوز 60% في بعض الحالات، تصبح الحقيقة نفسها مهددة.
ورغم بعض الإيجابيات—حيث يرى 30% من المراهقين أن هذه المنصات تعزز صداقاتهم—إلا أن الكفة تميل بوضوح نحو الأثر السلبي. فـ48% من المراهقين يعتقدون أن وسائل التواصل تضر بجيلهم، بينما عبّر 55% من أولياء الأمور عن قلقهم العميق على الصحة النفسية لأبنائهم.
ما الحل إذن؟ …. المواجهة لا تكون بالمنع المطلق، بل بإعادة التوازن، وتنظيم الاستخدام، بتحديد ساعات واضحة للشاشات، خاصة قبل النوم. فضلا عن تعزيز البدائل كالرياضة، القراءة، والأنشطة الاجتماعية الواقعية.
مع ضرورة التثقيف الرقمي كتعليم الأطفال كيفية التمييز بين المحتوى الحقيقي والمضلل.
والاهتمام بالمسؤولية التشريعية من فرض رقابة على تصميم المنصات وخوارزمياتها، كما بدأ يظهر في القضايا القضائية الأخيرة.
فيما يأتي دور الأسرة كعامل حاسم من خلال الحضور الواعي، لا الرقابة القمعية.
في النهاية، ليست المشكلة في التكنولوجيا ذاتها، بل في كيفية تصميمها واستخدامها. وإذا لم نُدرك حجم التحدي الآن، فقد نستيقظ على جيل يعيش في عالم افتراضي أكثر مما يعيش في الواقع… جيل يعرف كل شيء، لكنه يشعر بالقليل.













