نغم دافئ عبر الأجيال ورحيل موجع لعشاق الطرب
حين غنّى للفراق فبقي صوته في الوجدان
من بربر إلى ذاكرة السودانيين.. رحلة عامرة بالإبداع والعطاء
الفنان الذي غنّى للحب والوطن بصدق نادر
“لمن تفوت أنت في الدنيا بس شن لي”.. الأغنية التي سكنت الوجدان
عبد المنعم هلال ـ آكشن سبورت
ـ رحل الفنان مجذوب أونسة في صباح الإثنين 25 مايو 2026 الموافق للثامن من شهر ذي الحجة لعام 1447 هجرياً يوم التروية ذلك اليوم المبارك الذي تتهيأ فيه القلوب لموسم الحج والرحمة بعد تعرضه لحادث مروري أليم تاركاً خلفه حزناً عميقاً في وجدان محبيه وكل عشاق الفن السوداني الأصيل.
ـ ولد مجذوب أونسة عام 1954 بمدينة بربر بولاية نهر النيل شمال السودان ونشأ في قرية نقزو وسط بيئة ريفية بسيطة يعتمد أهلها على الزراعة والتنقيب عن الذهب واختار في بداياته العمل في مهنة (الصاغة) التي ورثها عن والده وعُرف فيها بمهارته الكبيرة ولباقته وقدرته على الإقناع حتى أصبح من الأسماء المعروفة في هذا المجال وقرر لاحقاً التخلي عن تلك المهنة والتفرغ للفن بعد أن جذبته الساحة الغنائية وبدأت موهبته تلفت الأنظار وعُرف بصوته الدافئ وأدائه المختلف إلى جانب حضوره المحبوب على المسرح ما جعله واحداً من الفنانين الذين حافظوا على جماهيريتهم عبر أجيال متعاقبة.
أداء فريد
اشتهر مجذوب أونسة بأدائه الفريد وصوته العذب الذي جمع بين أصالة التراث الغنائي السوداني والطابع الحديث وقدم خلال مشواره الفني العديد من الأغاني الناجحة من أبرزها أغنيته الوطنية (عزيز أنت يا وطني) والتي تعد من أشهر أعماله وأكثرها حضوراً لدى الجمهور وكذلك (صياد النجوم) التي لقبته بها وسائل الإعلام العربية.
ـ في التسعينيات والألفينات نافس فنانين وسط الأجيال الشابة أمثال محمود عبد العزيز ونادر خضر وأصدر ألبوماً في تلك الفترة اضطرت الشركة المنتجة إلى إعادة طباعته بعد أن نفد من الأسواق لأنه حقق معدلات توزيع عالية جداً وكسح الساحة.
ـ في مايو 2026 غيّبه الموت إثر حادث سير مروع على الطريق الرابط بين مدينتي عطبرة والخرطوم لينطفئ صوت غنائي ظل حاضراً في وجدان الجمهور السوداني منذ سبعينيات القرن الماضي.
صدق الأداء
ـ من أغنياته الرائعة أغنية (أقدار يا نور عيني) وهي من الأغاني السودانية العاطفية الأصيلة البتجمع بين عمق الكلمة وصدق الأداء. كلماتها المنسوبة في أرجح الروايات للشاعر الصادق الياس جاءت تصور تجربة الفراق بطريقة إنسانية رفيعة ما بتلوم ولا بتعاتب بس بتتألم وبتسامح وبتتمنى للحبيب السعادة حتى بعيداً.
الأغنية ما بس غزل هي تأمل في الزمن والقدر والخسارة. الشاعر فيها بيحكي كيف إنو العاطفة بتغلب الإنسان رغم إرادتو (مهما الدموع تتحدر تغلبني غصباً عني) وكيف إن الحب الحقيقي ما بيكمل في مرارة بل بيختم بتمنٍ نبيل (ليك بتمنى تسعد دوام تتهنى).
مجذوب أونسة حملها بصوتو الدافئ وأدائه الهادئ المتأمل فجعلها تعيش في الوجدان السوداني جيلاً بعد جيل وصارت من علامات مسيرته الفنية الطويلة.
حكم الزمن
الأغنية تبدأ بالنداء وهو نداء بلاغي ثقيل الشاعر ينادي (الأقدار) لا محبوبه مباشرة وهذا ذكي جداً لأن الفراق في ذهنه ليس خطأ المحبوب بل هو حكم الزمن وقضاء القدر و(نور عيني) تعبير عاطفي شديد الحميمية في الدارجية السودانية يعادل (روحي وحياتي) فكأنه يقول يا قدراً أخذ مني نور عيني ورحل به.
*يا الكنت فاكرك لي
ما الكنت متصور
يوم أجيك مغلوب
شايل جرح دنياي
من زول أكان محبوب..
ـ (الكنت فاكرك لي) كنت أظنك ستبقى لي أو كنت أظنك صاحبي ومحبوبي حتى الأبد (ما الكنت متصور) لم أتخيل أبداً أن ذلك اليوم سيأتي (يوم أجيك مغلوب شايل جرح دنياي) يصف اللحظة التي يمشي فيها إليه مكسوراً حاملاً جرح الدنيا كله لا منتصراً ولا مفتخراً.
(من زول أكان محبوب) الصدمة هنا مضاعفة الجارح ليس عدواً بل هو من كان محبوباً وهذا أشد وطأةً لأن الجرح الحقيقي لا يأتي من الغرباء.
هذا المطلع يضع المستمع في قلب المشهد مباشرة دون مقدمات الإنسان يدخل على محبوبه مهزوماً لا يحمل سلاحاً غير دموعه وجرحه وكلمة (مغلوب) في الدارجية السودانية تحمل ظلاً جميلاً هي أقرب إلى (مغلوب على أمري) منه إلى مجرد (مهزوم) أي أن العاطفة تغلبته وليس أحد.
*دي الدنيا يا ما توري
والدهر يا ما يقري
لمن تفوت أنت
يا حبيبي
يا انت في الدنيا بس شن لي..
ـ (دي الدنيا يا ما توري) هذه الدنيا ما أشد غرابة تقلباتها وما أقسى مفاجآتها والفعل (توري) من (وَرَّى) أي أظهرت وكشفت (والدهر يا ما يقري) والزمن ما أصعب دروسه وتجاربه (لمن تفوت أنت يا حبيبي) من يبقى لي بعدك يا من كنت كل شيء ..؟ (يا انت في الدنيا بس شن لي) بعد تفوت انت ما عندي حاجة في الدنيا ماذا أصنع بها بدونك ..؟
هذا البيت فلسفي في روحه الشاعر لا يخاطب المحبوب فقط بل يخاطب الدنيا والدهر وهو يرفع الفراق من حدث شخصي إلى تأمل إنساني عام في طبيعة الزمن والحياة الجملة الأخيرة (يا انت في الدنيا بس شن لي) هي من أبلغ ما قيل في الغزل السوداني الحديث لأنها تجعل وجود المحبوب هو وجود الدنيا ذاتها.
*أنا كنت فاكرك لي
ناسي الزمن وأحكامو
هم البريد في يومو
ما بدور يشوف قدامو..
ـ (أنا كنت فاكرك لي ناسي الزمن وأحكامو) كنت أظنك لي وأنا ناسياً أن للزمن أحكامه وقرارته أي كنت غافلاً عن قسوة الحياة (هم البريد في يومو ما بدور يشوف قدامو) والبريد وهو العاشق المحب لا يتأخر ولا يلتفت خلفه يمضي لا محالة. وهذا توظيف رائع للصورة الشعبية السودانية والتي تستخدم تعبير (الريد) والمقصود (الحب) ..
ايلتقط الشاعر هنا نقطة هشاشة الإنسان نحن نعيش في وهم الديمومة نحب وننسى أن لكل شيء نهاية وصورة (البريد الذي ما بدور يشوف قدامو) من أجمل الصور الكنائية في الأغنية.
*تاري الزمن بيفرقني منك بعيد
يحرمني يظلم
سنين السمحة
ينسى العذاب البي
ـ (تاري الزمن بيفرقني منك بعيد) و(تاري)؛في الدارجية تعني (ها هو ذا / معلوم الآن / اتضح لي) وهي كلمة تكتشف بها شيئاً خفي عنك أي ها قد اتضح أن الزمن سيأخذك مني (يحرمني يظلم سنين السمحة) يحرمني ويظلمني سنوات الحياة الطيبة والجميلة (ينسى العذاب البي) وكأن الزمن ينسى ما صبرت عليه من عذاب وانتظار.
هذا البيت يحمل إحساساً بالغبن والظلم الكوني المتكلم لا يشتكي من المحبوب بل من الزمن الذي (يظلم) والظلم هنا كلمة قوية وكلمة “السمحة” (الجميلة / الطيبة) تضاد (العذاب) في الشطر الأخير بشكل فني بديع.
* صبر السنين الطال حاضننو في الأعماق
بغرو منو الناس
بقى للعزول حراق..
ـ (الطال حاضننو في الأعماق) الذي أمضيت زمن الطويل وأنا ضامه في أعماق قلبي (بغرو منو الناس) أصبح الناس يغارون منه أي من هذا الحب العظيم والناد (بقى للعزول حراق) وصار حديث العزّل (المشككين في الحب / الحاسدين) صار لهم مادة للكلام والحرقة.
يُدخل الشاعر هنا البعد الاجتماعي إلى الأغنية الحب الكبير لا يعيشه صاحبه في سر بل يراه الناس ويغارون منه وحين يفترق هذا الحب يصبح وقوداً لكلام العزّل. وفي هذا توجع مضاعف فقدان الحبيب + تشفي الحاسدين.
*حبك خلاص مليتو
قلبي الحنين خليتو
مجبور أسامحك أنا وأمسح دموع عيني
أنا ما بلومك إنت
مهما الدموع تتحدر تغلبني غصباً عني..
ـ (حبك خلاص مليتو) حبك خلاص زهجت منه تماماً (قلبي الحنين خليتو) وخلاص تركت قلبي الحنين (مجبورأسامحك أنا وأمسح دموع عيني) وأنا مجبور أسامحك وأمسح دموعي بنفسي (أنا ما بلومك إنت مهما الدموع تتحدر تغلبني غصباً عني والبينا أكبر واكبر) لن ألومك مهما فاضت الدموع ونزلت رغم إرادتي.
هذا البيت هو ذروة الأغنية عاطفياً التناقض العظيم هنا يسامحه وفي نفس الوقت الدموع تغلبه (غصباً عنه) أي رغماً عنه وفي الدارجية السودانية (غصباً عني) تعبير شديد الصدق يحمل معنى الإنسان الذي يريد أن يتماسك لكن العاطفة أقوى من إرادته وهذا هو جوهر تجربة الفراق الحقيقي.
*البينا أكبر وأكبر
من قلبيليك بتمنى تسعد دوام تتهنا
باكر تبارك لي الحنة في إيديا..
ـ البينا أكبر وأكبر ما بيننا من حب وتاريخ أكبر من قلبي وأكبر مني أنا (ليك بتمنى تسعد دوام تتهنا) لك أتمنى السعادة دائماً وتهنأ في الغد.
الشاعر يختم بالنبل لا لعنة ولا عتاب أخير ولا مرارة بل تمنٍّ صادق لمحبوبه بالسعادة وهذا هو المستوى الأرفع من الحب أن تتمنى للمحبوب السعادة حتى بعيداً عنك وكلمة (باكر) (الغد / المستقبل) تحمل تفاؤلاً مراً جميلاً.
”(قدار يا نور عيني) من القصائد الغنائية التي تعلو فوق مجرد أغنية حب عادية فيها ثلاثة مستويات تتشابك
المستوى الأول — الوجداني: فراق من أحب،وما يصنعه من ألم وعجز وإذعان قسري.
المستوى الثاني — الفلسفي: التأمل في الزمن والدهر والقدر وكيف أن الإنسان يعيش في وهم الديمومة حتى يصطدم بحقيقة الفراق.
المستوى الثالث — الأخلاقي: النبل في مواجهة الجرح لا يلوم يسامح ويتمنى للمحبوب السعادة وهذا ما يجعل الأغنية تبقى في الوجدان جيلاً بعد جيل.
أما لماذا نجح مجذوب أونسة في حملها وتخليدها فلأن صوته الدافئ وأداءه المتأمل الهادئ منح الكلمات بعداً روحياً أعمق مما تحتمله القراءة الصامتة.
رحم الله الفنان الكبير مجذوب أونسة وما أشد مفارقة أن يرحل من كان يغني (أقدار يا نور عيني) في حادث طريق كأن الأقدار أبت إلا أن تكتب نهايته بنفس الكلمة التي عرفه الناس بها.













