أطلّ على الرياضيين عبر «هو القون» في تيك توك
شيخ المعلقين يتحدى الغياب والألم ويجذب عشاق الكرة
كتب: المستشار معاوية أبوالريش
حين أطلّ الأستاذ الرشيد بدوي عبيد مؤخراً عبر “هو والقون” في منصة تيك توك، لم يكن مجرد إعلامي يعود بعد غياب، بل كان جيل بأكمله يستعيد ذاكرته، وأمة رياضية تستردّ شيئاً من روحها المُعلَّقة بين أوجاع الحرب وغبار النزوح.
“البداية.. موظف حوّله صوته إلى أسطورة”
في عام 1977، كان الرشيد بدوي عبيد موظفاً عادياً في شؤون العاملين بالإذاعة السودانية، لا يدور بخلده أن القدر يُعدّ له مساراً آخر. غير أن الأستاذ الراحل علي الحسن مالك، بفراسة أهل الإعلام الحقيقيين، سمع في صوته ما لم يسمعه صاحبه بعد، فطلب منه التعليق على مباراة. توكّل الرجل على الله، وخطا نحو الميكروفون، فلم يعد إلى مكتبه قط.
منذ تلك اللحظة، أصبح الرشيد بدوي عبيد اسماً لا يحتاج إلى لقب، وصوتاً لا يحتاج إلى تعريف.
“في الميدان.. أول السودانيين في مونديال التاريخ”
لم تحتجز الرشيد حدود السودان ولا قيود الإمكانات ، فقد شقّ طريقه بصوته عبر القارات، وجال مع المنتخب الوطني وعملاقَي الكرة السودانية الهلال والمريخ في ملاعب أفريقيا وأدغالها، حاملاً هموم الجماهير السودانية وآمالها على موجات الأثير.
وفي عام 1994، كُتب للرشيد بدوي عبيد أن ينال شرفاً لم ينله سوداني قبله، إذ أصبح أول معلق سوداني يُعلّق على بطولة كأس العالم في الولايات المتحدة الأمريكية، ليحمل الصوت السوداني إلى أرحب الآفاق وأبعد الملاعب، ويُثبت أن السودان لا يحضر كرة القدم الكبرى متفرجاً، بل يحضرها بصوت يُنافس.
“المعلق والمدرب.. ثنائية أربكت المنافسين”
ما ميّز الرشيد عن سائر أبناء جيله ومن جاؤوا بعده، أنه لم يكن يُعلّق من مقعد المتفرج، بل من منصة المحترف. فقد جمعت شخصيته بين المعلق الموهوب والمدرب المتمرس، إذ قاد أعرق الأندية الأمدرمانية كنادي الأحرار والمهدية، وعرف من داخل الملعب ما يجهله كثير من العارفين.
لذا، كان تعليقه تحليلاً في ثوب وصف، يُحذّر من اللاعب الخطير قبل أن يُشكّل خطراً، ويستشرف النتيجة قبل أن تُحسم، ويقرأ التكتيك قبل أن يُفصح عنه المدرب. كان يُغرّد خارج السرب دائماً، في زمن لم يجرؤ فيه معلق آخر على منافسته.
“جمهور اختار صوته على الصورة”
ربما لا توجد شهادة أبلغ على عظمة معلق من أن يختار جمهوره صوته على الصورة المرئية. وهذا بالضبط ما فعله ملايين السودانيين في عزّ زمن التلفزيون، كانوا يُخفّضون صوت المعلق التلفزيوني ويُشغّلون الراديو، ليتابعوا المباراة بعيون التلفاز وقلب الرشيد بدوي عبيد.
كان صوته يرسم ما تعجز الكاميرا عن التقاطه، يمنح اللاعب المجهول ملامح، ويمنح اللحظة العابرة أبديةً، ويمنح المستمع في أقصى البلاد إحساساً بأنه يقف على حافة الملعب.
“المحنة.. حين يقف العملاق في مواجهة القدر”
لم تكن السنوات الأخيرة رحيمة بالرجل. فمرض السكر الذي أنهك جسده سنوات طويلة، تبعه ما هو أقسى، اندلاع الحرب في السودان التي أجبرته على النزوح القسري إلى القاهرة بعيداً عن وطنه وجمهوره وذكرياته، ثم جاءت المرارة الكبرى ببتر إحدى قدميه، في منعطف لو مرّ به رجل آخر لأسدل الستار وودّع الميكروفون إلى غير رجعة.
غير أن الرشيد بدوي عبيد ليس رجلاً عادياً. فقد تحدّى كل تلك الظروف القاسية، وأعلن بعودته أن إرادة الإنسان حين تصدق تعلو على كل ألم، وأن الأصوات الحقيقية لا تُبتر مع الأقدام.
“العودة.. وما تعنيه في هذا التوقيت”
عودة الرشيد اليوم ليست حدثاً رياضياً بالمعنى الضيق، بل هي حدث إنساني وطني بامتياز. فالسودان الذي ينزف في الداخل، وملايين السودانيين المشتتين في أصقاع الأرض، يجدون في هذا الصوت العائد خيطاً يربطهم بما كانوا عليه، بأمسيات الكرة، وبهجة الانتصار، ووحدة الجمهور خلف فريق واحد وحلم واحد.
صوت الرشيد في هذا التوقيت العسير يقول ما لا تقوله البيانات ولا تُعبّر عنه الخطب ، يقول إن السودان لا يزال حياً، وإن أهله لا يزالون يحملون في قلوبهم شيئاً يستحق أن يُدافَع عنه.
ذاكرة أمة وفصل تاريخي
في نهاية المطاف، ليست القضية صوتاً عاد بعد غياب، بل هي ذاكرة أمة استعادت جزءاً من نفسها. الرشيد بدوي عبيد ليس مجرد معلق رياضي في سجلات الإعلام السوداني، بل هو فصل كامل من فصول تاريخ السودان الرياضي، كُتب بالصوت لا بالحبر، وحُفظ في القلوب لا في الأوراق.
وكما قال هو دائماً حين تنتهي المباراة:
“حسب زمني أنا.. مفروض الحكم يصفّر”
لكن هذه المرة، يا أستاذنا الرشيد، نحن من نقول: لا تزال المباراة قائمة، ولا يزال صوتك أجمل ما نسمع.











