من ملاعب “الدافوري” في مدني إلى منصات المجد مع الهلال والمنتخب
خلفية العائلة الأدبية شكّلت شخصيته المتوازنة
يمارس التلحين ويعزف على آلة الأورغن
صاغ اسمه بحروف من ذهب في تاريخ الرياضة السودانية
نشأ في بيت علم وثقافة… والده معلم وجده قاضٍ
التعلم بالمشاهدة… مدرسة النجوم الكبار
مواقف طريفة تكشف حب الجماهير
اعداد ـ عبدالمنعم عثمان (ديم الكبير)
في ذاكرة الكرة السودانية، تبرز أسماء صنعت المجد وخلّدت حضورها في وجدان الجماهير، ومن بين تلك الأسماء يسطع نجم الكابتن الدكتور محمد حسين كسلا، أحد رموز نادي الهلال العاصمي وأحد أعمدة جيله الذهبي. لم يكن كسلا مجرد لاعب موهوب، بل نموذجًا متكاملًا يجمع بين الإبداع الرياضي والانضباط العلمي، حيث مزج بين مسيرته الكروية المميزة وتخصصه في الطب الرياضي. هذا التلاقي بين العقل والجسد منحه خصوصية نادرة جعلته علامة فارقة في تاريخ الكرة السودانية. في هذه السطور، نستعيد محطات من حياته، ونستعرض ملامح تجربته الثرية داخل الملاعب وخارجها، مرورًا بذكرياته الجميلة، ومواقفه الطريفة، ورؤيته العميقة لتطور كرة القدم، في سردٍ يوثق لمرحلة مهمة من تاريخ الرياضة السودانية.
موهبة وعلم
يُعد الكابتن الدكتور محمد حسين كسلا من أبرز الأسماء التي تألقت في سماء نادي الهلال والمنتخب القومي، حيث ترك بصمة واضحة بفضل مهاراته الفنية العالية وأسلوبه الراقي في الأداء. نشأ في بيئة علمية وثقافية؛ فوالده من الرعيل الأول للمعلمين، وجده من الشخصيات المعروفة في مدينة كسلا كقاضي، كما يرتبط بعائلة ذات امتداد أدبي وفني، من بينها الشاعر محمود أبوبكر. هذه الخلفية أسهمت في تشكيل شخصيته المتوازنة التي تجمع بين الثقافة والرياضة.
إلى جانب تألقه في الملاعب، برز كسلا في المجال الأكاديمي، حيث تخصص في الطب الرياضي، وعمل بالقوات المسلحة في دولة الإمارات، كما أسهم في تطوير العمل الرياضي من خلال عضويته في لجنة الاحتراف بمجلس دبي الرياضي، وهو ما يعكس وعيه العميق بدور العلم في تطوير الرياضة.
من الأحياء إلى النجومية
بدأت رحلة كسلا مع كرة القدم في ميادين الأحياء والمدارس، حيث كانت المساحات المفتوحة تمثل بيئة مثالية لصقل المواهب. لعب “الدافوري” مع أقرانه، وتعلّم أساسيات اللعبة في بيئة تنافسية بسيطة لكنها غنية بالتجارب.
انتقل بعد ذلك إلى نادي أهلي مدني، ثم أهلي كسلا، قبل أن يشق طريقه إلى الهلال العاصمي في مطلع السبعينيات، حيث بزغ نجمه سريعًا، ليصبح أحد أعمدة الفريق. كما مثّل المنتخب القومي، وخاض تجربة احترافية مميزة مع نادي النصر الإماراتي، في وقت كانت فيه فرص الاحتراف محدودة، ما يبرز قيمة تلك التجربة.
مدني… الذاكرة الأولى
تظل مدينة مدني واحدة من أهم محطات التكوين في حياة كسلا، حيث عاش فيها خلال ستينيات القرن الماضي، وكانت الأحياء بمثابة مدارس مفتوحة لكرة القدم. يصف تلك المرحلة بأنها كانت مليئة بالحيوية والحركة، حيث كان الصغار يقضون معظم أوقاتهم في اللعب.
كان حريصًا على متابعة تدريبات ومباريات أندية مدني مثل الأهلي والاتحاد والنيل، حيث تعلّم من نجومها، وحفظ أسماءهم وأسلوب لعبهم. تلك المشاهدة المباشرة شكّلت أساسًا مهمًا في تطوير مستواه، في ظل غياب وسائل النقل التلفزيوني للمباريات العالمية آنذاك.
سر التفوق
يرى كسلا أن التعلم في كرة القدم لا يقتصر على التدريب فقط، بل يعتمد بشكل كبير على الملاحظة الدقيقة. كان يراقب سلوك اللاعبين الكبار، من طريقة حضورهم إلى الملعب، إلى التزامهم بالتدريبات، وأسلوبهم في التعامل مع المدربين.
كما كان يهتم بالتفاصيل الصغيرة، مثل الإحماء، والتمركز داخل الملعب، وطريقة التمرير، وهو ما ساعده على تطوير أدائه تدريجيًا. ويؤكد أن اللاعب الذي ينجح هو من يجمع بين الموهبة والاجتهاد، ويحرص على التعلم المستمر.
رؤية متكاملة
شكّل الجمع بين الطب والرياضة أحد أبرز ملامح تجربة كسلا، حيث يرى أن هناك قواسم مشتركة بين المجالين، خاصة في الجانب الإنساني. فالرياضة تسهم في تحسين الصحة العامة، بينما يساعد الطب في رفع كفاءة الأداء الرياضي والوقاية من الإصابات.
كما أشار إلى أن الكرة السودانية تعيش مرحلة انتقالية بين الهواية والاحتراف، وهو ما يتطلب تطوير البنية التحتية، والاهتمام بالتأهيل العلمي والإداري، من أجل تحقيق الاستقرار والتقدم.
مواقف وذكريات
تزخر مسيرة كسلا بالعديد من المواقف الطريفة التي تعكس علاقته القوية بالجماهير. من أبرزها مشاركته في مباراة ودية للهلال رغم عدم تسجيل اسمه في قائمة المباراة، حيث اضطُر الحكم لإدخاله تحت ضغط الجماهير، في موقف يعكس مدى حب الجماهير له.
كما يروي موقفًا آخر خلال مباراة للنصر الإماراتي أمام الهلال، حين هتفت جماهير الهلال باسمه مطالبة بعودته، وهو ما أثار أجواء من الضحك داخل الفريق، وأكد مكانته الخاصة لدى الجمهور.
تجربة الإمارات
في الإمارات، واصل كسلا حضوره الرياضي من خلال عمله في المجال الطبي، ومشاركته في تطوير العمل الرياضي. كما حافظ على علاقاته مع نجوم الكرة السودانية، وشارك في جلسات توثيقية مهمة تناولت تاريخ الهلال والكرة السودانية.
وقد حظي بتكريم من النخبة الرياضية في دبي، في لفتة تقديرية لمسيرته الطويلة، وهو تكريم جاء تتويجًا لعطائه داخل السودان وخارجه.
شخصية متوازنة
لا تقتصر اهتمامات كسلا على الرياضة، بل يمتد شغفه إلى الموسيقى، حيث يمارس التلحين ويعزف على آلة الأورغن، ويستمع إلى مختلف الألوان الغنائية، القديمة والحديثة. كما يحرص على متابعة مختلف الرياضات، ويجد متعة في مشاهدة المنافسات العالمية.
هذه الاهتمامات المتنوعة تعكس شخصية متوازنة، تجمع بين العقل الرياضي والذوق الفني، وهو ما أضفى على مسيرته طابعًا إنسانيًا مميزًا.
إرث لا يُنسى
تمثل تجربة محمد حسين كسلا نموذجًا متكاملًا للاعب المثقف، الذي جمع بين الموهبة والعلم، وبين الأداء داخل الملعب والتأثير خارجه. فقد أسهم في كتابة صفحة مشرقة من تاريخ الهلال والكرة السودانية، وترك إرثًا غنيًا بالتجارب والدروس.
إن سيرته ليست مجرد حكاية لاعب، بل قصة جيل كامل عاش مرحلة مهمة من تطور الرياضة السودانية، وهي تجربة تستحق التوثيق والاحتفاء، لما تحمله من قيم الإصرار والانتماء والعمل الجاد، التي يمكن أن تلهم الأجيال القادمة نحو تحقيق النجاح والتميز.













