افق بعيد
سيف الدين خواجة
ظهر في أحد قروبات الهلال أرقام ميزانية مضحكة جدًا، وتثير السخرية والرياء على حد سواء، وتؤكد ما ذهبنا إليه منذ عقود خلت، أن مشكلة أنديتنا إدارية وليست بتلك الدرجة. ومعلوم أن النظام المالي لأي كيان هو البداية للضبط والربط، ووضع كل شيء في مكانه السليم!!!
& لكن، بحسب العمر والتجربة والمتابعة لأحوال نادي الهلال المالية، أقول بكل الصدق ورباطة الجأش، متحديًا أي كائنًا من كان، إن آخر ميزانية حقيقية كانت في مؤتمر صحفي وشهد بها الإعلام، كانت غداة انقلاب مايو 1969، وتقديم مجلس الهلال استقالته برئاسة الراحل صالح محمد صالح رئيسًا، وسكرتارية الراحل حسن عبد القادر الحاج. ومنذ ذلك التاريخ لا توجد ميزانية واحدة يُعترف بأنها تعبر عن واقع الهلال!!!
& منذ أن دخلنا السبعينيات حتى اليوم، لا توجد ميزانية واحدة مقنعة وتعبر عن الوضع الصادق لنادي الهلال، بل وكل الأندية السودانية، وعلى رأسها الهلال!!!
& بل أستطيع أن أتحدى أي كائن من كان منذ السبعينيات، أن يأتي لي بكشف حساب من أي بنك لأنديتنا فيه إيداع وصرف بشيكات، ناهيك عن التبرعات، فضلًا عن أنصبة الأندية في الدخل من المباريات، الذي يوزع عن طريق الاتحاد. وهذا يعكس أن المسألة في الاتجاهين جبانة و”هايصة”، إذ يجب على الاتحاد أن يصرف المستحقات بشيكات مكرسة لا تُصرف إلا في حساب المستفيد، وأن يطلب من الأندية أن تفيده بأسماء المخول لهم بالاستلام. أكرر: الاستلام فقط، وليس باسمهم الشيكات. كل هذا يؤكد الفوضى التي نعيشها، ومن ثم نتطلع لإنجاز في كرة القدم! كيف يكون هذا والحال هذه!!!
& بل أذهب أكثر من ذلك لتأكيد ما قلت أعلاه، أن الباشمهندس عمر البكري أبو حراز قدم استقالته من أمانة الخزينة قائلًا: “أنا قاعد كوبري لا أعرف الإيراد ولا المنصرف”. وكذلك في مجلس آخر استقال عمر النقي، بل في مجلس برئاسة الطيب عبد الله، فيما عُرف وقتها بمجلس اللوردات، كعادتنا السيئة في عبادة الأشخاص وتعظيمهم وهم عكس ذلك تمامًا، كان الأخ سليمان محمد سليمان عضوًا ورئيس القطاع الرياضي، وأفصح عن تنظيم مالي للمنصرفات ومستحقات اللاعبين، وكشف لأول وآخر مرة عن خطة تنظيمية للتحكم في أموال الهلال. فما كان من الطيب عبد الله، وبذكائه الوقاد، أن أدرك أن سليمان سيسيطر على عش الدبابير، فما كان منه إلا أن شطب أفضل لاعب ارتكاز في الهلال والسودان، وهو اللاعب أبو شامة، فقدم سليمان استقالته وخرج، ولم يعد حتى الآن!!!
& وأغرب ما حيّرني في ميزانية الهلال التي ظهرت في ذاك القروب، أنها كلها أرقام تقريبية، وليست ناتجة من دفاتر ونظام مالي، لأن هذا التقريب لا يحدث إلا في الميزانية التقديرية للمستقبل، ولها أسس تُحسب عليها التقديرات، تُسمى السلاسل الذهبية، أي سلاسل ناتجة عن ميزانيات حقيقية مدققة ومجازة لأعوام سابقة، وليس تقديرًا دون أسس!!!
& قد يقول البعض إن هناك رجالًا يصرفون من جيوبهم ولا أحد يحاسبهم، وهنا تكمن الفوضى. وليس لدينا في إدارة الأعمال ما يبرر ذلك، لكن عليهم أن يودعوا أموالًا محسوبة في حسابات الأندية بالبنوك، ويتم الصرف منها حسب الحاجة بشيكات، ثم تُودع إيرادات النادي من دخول المباريات والتبرعات، حتى تتمكن في نهاية الأمر من معرفة قدر العجز أو الربح، ونقف على حقيقة الوضع المالي من جميع أوجهه، من حيث دخل المباريات، ومن حيث تبرعات أعضاء الشرف، ومن حيث الهبات أو رسوم العضوية، إلخ!!!
& في تقديري أن الفوضى المالية بهذه الصورة لا تبشر بخير، ولا تبشر بالمؤسسية التي يطالب بها الناس لإدارة شأنهم بطريقة منضبطة ومهنية تعبر عن النادي أصدق تعبير، حتى يعرف الأعضاء من هم المدينون للنادي والدائنون له، وكيف نتحصل من المدينين لنسدد الدائنين. بهذا المستوى من العك الإداري، وهذه الفوضى، تجعل الطير “العامل” يقع حيث يلتقط الحب، كما يقال!!!
& شيء مؤسف لأندية تقارب القرن أن تكون “قبة من دون فكي”، وجماهيرها تنتظر إنجاز عمرها. الفوضى ما أنجبت غير الفوضى، وعلينا أن نستيقظ من هذا الخراب، إذ لا حل لنا إلا عن طريق التنظيم الإداري والمالي الدقيق، بقنوات سالكة ومهنية. وما ظهر في القروب لا يعبر بأي صورة من الصور إلا عن حالة فوضى عارمة لا تبشر بخير. وقد ظللنا ننادي بذلك منذ عقود، ولا حياة لمن تنادي. ويبدو أننا قد طال سهرنا وقهرنا، ولا يغير الله بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم. ألا هل بلغت، اللهم فاشهد!!!









