15 عامًا على الرحيل.. وفاء خالد في تاريخ الهلال
الزهرة.. المحطة التي أعلنت الميلاد الحقيقي
الأشول المسلول لقب جسّد قوته وصلابته
نشأ في أسرة رياضية والكرة كانت هويته
الإصابات القاسية غيّرت مسيرته لكنها لم تكسره
المنتخب الوطني وجد فيه لاعب المهمات الصعبة
وداع مهيب جسّد مكانته في قلوب الجماهير
عبد المنعم هلال ـ آكشن سبورت
ـ في تاريخ الكرة السودانية، هناك لاعبون مروا مرور الكرام، وهناك من تركوا أثرًا عميقًا لا يُمحى، ومن هؤلاء يبرز اسم الراحل مرتضى سيد الجنيد (ود الجنيد)، ذلك المدافع الذي لم يكن مجرد لاعب في صفوف نادي الهلال، بل كان عنوانًا للإخلاص ونموذجًا للفارس الذي يؤدي واجبه حتى آخر نفس.
الميلاد والنشأة
ـ وُلد ود الجنيد عام 1972 في أسرة رياضية عريقة، كان للكرة فيها حضور متجذر، فوالده الجنيد صافي الدين كان لاعبًا مميزًا في خمسينيات القرن الماضي، تنقل بين الهلال والمريخ، كما أن شقيقه سيف الجنيد كان لاعبًا في المريخ قبل أن يترك الكرة ويتجه إلى العمل الشرطي ويستقر لاحقًا في لندن. وفي هذا المناخ نشأ ود الجنيد محبًا لكرة القدم وممارسًا لها منذ الصغر، متأثرًا بإرث عائلي جعل الكرة بالنسبة له ليست مجرد لعبة، بل هوية.
بدأ لاعبًا مهاجمًا، لكنه سرعان ما تحول إلى الدفاع، ليكتشف الجميع أن مكانه الحقيقي هو قلب الخط الخلفي، حيث الصلابة والشجاعة.
من الروابط إلى الزهرة
ـ انطلقت مسيرته من روابط الثورة بأم درمان، ثم برز في فرق المدارس وقاد فريقه المدرسي لتحقيق البطولات، قبل أن ينتقل إلى نادي الزهرة عام 1993، حيث لعب موسمين مميزين (1993–1995)، وهناك بدأ اسمه يلمع بقوة، لتتنافس عليه الأندية الكبيرة، خاصة الهلال والمريخ، في واحدة من أشهر الصراعات على المواهب في ذلك الوقت.
الهلال.. بداية المجد
ـ في يوليو 1995 انضم إلى صفوف الهلال في صفقة ضمت أيضًا محمود جبارة السادة، ولاحقًا هيثم مصطفى.
كانت أولى مبارياته ودية أمام الرابطة أم درمان، لكنه خطف الأنظار بشكل لافت، حيث لعب في أكثر من مركز (الدفاع، الوسط، وحتى الهجوم) بلياقة عالية وروح قتالية كبيرة، ومنذ تلك المباراة أصبح عنصرًا أساسيًا في التشكيلة، لا يغيب إلا لظروف قاهرة.
(الأشول المسلول)
ـ أطلقت عليه جماهير الهلال لقب (الأشول المسلول)، نسبة إلى يساريته القوية وصلابته الدفاعية.
كان مدافعًا لا يُشق له غبار، تتحطم عنده طموحات المهاجمين، ويتميز بالقوة البدنية والتمركز السليم والروح القتالية العالية.
ولم يكن مجرد مدافع، بل كان أحد أبرز اللاعبين الذين دخلوا تشكيلة الهلال والمنتخب مباشرة دون تدرج طويل، وهو أمر نادر في كرة القدم.
الأرقام والمشاركات
ـ شارك في 14 مباراة دولية مع الهلال، ومثل السودان في 22 مباراة بمختلف المنتخبات (الشباب / الأولمبي / الأول)، كما كان جزءًا من منتخب الشباب الذي تُوج ببطولة سيكافا، في إنجاز مهم على مستوى المنطقة.
لاعب المهمات الصعبة
ـ ارتدى قميص منتخب السودان لكرة القدم في مختلف المراحل، وكان دائمًا ذلك اللاعب الذي يُعتمد عليه في المباريات الكبيرة. لعب بروح وطنية عالية، وكان مثالًا للجندي المخلص الذي يقدم كل ما لديه دون انتظار مقابل.
بداية المعاناة
ـ تعرض ود الجنيد لإصابة خطيرة أثناء تمثيل المنتخب أمام سيراليون، ثم لإصابة أخطر في مباراة الهلال ونادي الزمالك، كادت أن تودي بحياته لولا تدخل طبي عاجل. ومنذ تلك الحادثة بدأ يعاني من آثار الإصابة، حيث كان يتعرض لحالات إغماء متكررة، خاصة أثناء المباريات. كانت تلك الإصابات نقطة تحول قاسية في مسيرته، لكنها لم تنل من عزيمته.
معركة خارج الملعب
ـ بعد الاعتزال استمرت معاناته الصحية، خاصة بسبب إصابة الرأس، ما استدعى سفره إلى لندن لتلقي العلاج، بعد مبادرة إنسانية كبيرة من الوسط الرياضي السوداني الذي وقف معه بكل قوة. وأُجريت له عملية جراحية في أحد مستشفيات لندن المتخصصة، ورغم تحسن حالته نسبيًا، إلا أن القدر كان له رأي آخر.
الرحيل.. 25 أبريل 2011
ـ في صباح يوم الإثنين 25 أبريل 2011، أسلم ود الجنيد الروح إلى بارئها في لندن بعد صراع طويل مع المرض. رحل وهو في قمة نضجه الإنساني، تاركًا خلفه حزنًا عميقًا في الوسط الرياضي السوداني.
وصل جثمانه إلى السودان، وتم تشييعه في موكب مهيب شارك فيه الرياضيون والجماهير، ووري الثرى في مقابر البكري بأم درمان، وأُغلقت أبواب نادي الهلال حدادًا عليه، في مشهد يجسد مكانته الكبيرة في قلوب الجميع.
حياته الخاصة
ـ كان ود الجنيد متزوجًا وله ثلاثة أبناء (ولدان وبنت)، وعُرف بحسن السيرة والتواضع والاستقامة والخلق الرفيع. لم يكن نجمًا متكبرًا، بل إنسانًا بسيطًا قريبًا من الناس، محبوبًا في الوسط الرياضي وخارجه.
ماذا قالوا عنه؟
ـ وُصف بأنه (فارس هلالي غيور أحسن الذود عن الشعار)، وقيل عنه صخرة الدفاع التي تتحطم عليها طموحات المهاجمين، وأجمع الجميع على أنه لاعب خلوق ومخلص داخل الملعب وخارجه.
القيمة الحقيقية
ـ قيمة ود الجنيد لم تكن في عدد المباريات ولا في الألقاب فقط، بل في الروح التي لعب بها، وفي الحب الذي تركه خلفه.
كان لاعبًا لا يساوم على الشعار، لا يتراجع في المواجهة، ولا يخذل جماهيره.
يا ود الجنيد..
لم تكن مجرد مدافع، بل كنت جدارًا من الوفاء،
ولم تكن مجرد لاعب، بل كنت قصة تُروى.
رحلت، لكنك تركت شيئًا لا يُقاس بالأرقام، تركت محبة صادقة، وتركت ذكرًا طيبًا، وتركت أثرًا لا يمحوه الزمن.
سيظل اسمك يتردد في مدرجات الهلال، وفي قلوب من عرفوا معنى الانتماء الحقيقي.
رحمك الله،
وجعل الجنة مثواك،
وكتبك في سجل الخالدين،
حيث لا يذهب الطيبون، بل يبقون في القلوب.













